الخطأ القضائي وخطأ القاضي ومساطر التعويض عن كل منهما

جديد

الخطأ القضائي وخطأ القاضي ومساطر التعويض عن كل منهما

الخطأ القضائي وخطأ القاضي ومساطر التعويض عن كل منهما

مقال حول موضوع الخطأ القضائي وخطأ القاضي ومساطر التعويض عن كل منهما

العنوان    الخطأ القضائي وخطأ القاضي ومساطر التعويض عن كل منهما   
اعداد المحامية والباحثةالأستاذة بشرى العاصمي
مقال منشور ضمن مجلة المحامي عدد 67
عدد الصفحات08 صفحات
نوع الملفPDF
منصة التحميلMediafire أو Google drive
حجم الملف1 ميگا

تقديم

لعل الخلط بين مفهوم الخطأ القضائي وخطأ القاضي هو الذي أدى لصدور عدة أحكام جانبت الصواب في تعليلاتها ومنها المحكمة الإدارية بمراكش التي عللت قضاءها بعدم الإختصاص في الملف الإداري عدد 12/1914/432 وحتى بعد صدور دستور 2011 كما يلي : ( حيث إنه من جهة أولى إذا كان يحق للمتضرر من خطأ قضائي تقديم طلب التعويض أمام محكمة النقض في إطار دعوى المخاصمة متى توافرت إحدى حالاتها المشار إليها في الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية أو في إطار مسطرة المراجعة الجارية بشأن المقرر الجنائي أو الجنحي الذي أدين بموجبه، فإنه خارج هاذين الإطارين يبقى العمل القضائي في منأی عن أي مراقبة ) .

حيث وقع في هذا الخلط حتى بعض الباحثين، فقد وجب أولا توضيح الفرق بين نوعي الخطأ الموجب للتعويض ونوعية المساطر التي يتوجب اتباعها في كل منهما وهي تختلف اختلافا جوهريا في كل منهما عن الأخر. 

لذلك فإن هذا البحث المتواضع سوف يبوب كالتالي :
- لمحة تاريخية عن تطور فكرة التعويض عن الأخطاء الصادرة عن القضاء
- التعريف بالخطا القضائي
- التعريف بخطأ القاضي
- مساطر طلب التعويض عن الخطأ القضائي
- مساطر طلب التعويض عن خطأ القاضي

1 - لمحة تاريخية عن تطور فكرة التعويض عن الأخطاء الصادرة عن القضاء

رغم بعض الإضاءات عبر عصور التاريخ التي تم فيها الإعتراف بإمكانية وقوع الخطأ القضائي وإمكانية التعويض عنه فقد ظل القضاء والفقه مستقرا لفترة طويلة على النأي بالمقررات القضائية عن المراقبة تحصينا لعمل القضاء وأحكامه، إذ اعتبر المناصرون لعصمة القرارات القضائية استنادا لكون العدالة معصومة عن الخطأ من جهة، وتشبثا بحجية الأحكام من جهة أخرى، اعتبروا أن الأحكام القضائية لا يمكن أن تكون محل رقابة من أية جهة، ولا أن يترتب عن الخطأ فيها أي تعويض، لأن الأحكام هي عنوان الحقيقة، وقد صدرت في هذا الإتجاه عدة أحكام منها قرار المجلس الأعلى آنذاك الذي صدر بغرفتين في الملف 248 بتاريخ 1991/10/29 وجاء فيه " وحيث إن قاضي الحكم لا يتحمل أية مسؤولية عن الأحكام التي يصدرها ولو ارتكب خطأ في تأويل أو تطبيق القانون أو تحريفه، وذلك لكون الأطراف في استطاعتهم دائما اللجوء إلى طرق الطعن العادية وغير العادية للحصول على تعديل أو إلغاء الحكم، ونظرا لحجية الشيء المقضي به التي تتعلق بالحكم والتي تقوم على قرينة أن الحكم مطابق للحقيقة " .

حيث وإن كان هذا القرار يتعلق بالمخاصمة فإن تعليله كان هو ما يتبناه القضاء بالنسبة لرفض طلبات التعويض عن الخطأ القضائي .

وسوف نلاحظ أن هذا الإتجاه بدأ يتغير بعد صدور دستور 2011 الذي أقر التعويض عن الخطأ القضائي في المادة 122 منه .

والمعروف أن الفقه والقضاء الفرنسي كانا سباقين للإعتراف بحق المتضرر من حكم قضائي في التعويض، حيث تدرج القانون الفرنسي من سن الحق في التعويض بشروط متشددة محصورة في حالتين هما جسامة الخطأ التي يجب على المتضرر إثباتها، أو إنكار العدالة وهي الشروط التي سنها قانون 17 يوليوز 1970 ثم ألغيت بمقتضى قانون 20 دجنبر 1996 الذي لم يعد يشترط أن يكون الضرر جسيما وغير عادي لمنح التعويض. 

وكان ذلك كله مسايرة لما نصت عليه الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
لكن الذي نادرا ما يتعرض له الباحثون، هو أن القضاء في صدر الإسلام كان هو السباق لسن التعويض عن الأخطاء القضائية، وحمل الدولة مسؤولية أدائه، إذ قضى الخليفة على ابن أبي طالب بأن ( خطأ القضاة في دم أو قطع فعلي بيت مال المسلمين ). 

كما أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان هو من أنشأ ديوانا للمظالم وجعله هيئة مستقلة مهمتها الفصل في الشكايات المقدمة ضد الولاة والقضاة بسبب الأخطاء التي يرتكبونها وألزم الدولة بالتعويض عنها .

أما المشرع المغربي فقد كان يجيز المطالبة بالتعويض عن الخطأ القضائي بعد صدور حكم بالمراجعة يصدر عن المجلس الأعلى وفق شروط محددة في المواد من 565 إلى المادة 573 من قانون المسطرة الجنائية وهي المادة التي منح المشرع بمقتضاها لضحية الخطأ القضائي الحق في الحصول على تعويض من الدولة عما لحقه من ضرر .

كما أجاز الإستفادة من تعويض عن خطأ القضاة أيضا بشروط محددة في الباب المتعلق بمخاصمة القضاة بالمسطرة المدنية من الفصل 391 إلى الفصل 400 الذي رتب مسؤولية الدولة عن أداء التعويضات التي يحكم بها لفائدة المتضررين، على أن ترجع الدولة على هؤلاء القضاة .
ولقد ظل الباحثون والفقهاء والحقوقيون ينادون بضرورة سن قانون واضح، يرتب الحق للمتضرر من خطأ قضائي في التعويض، منادين بمبدأ عدم جعل أي شخص أو سلطة فوق المحاسبة .

وأخيرا استجاب دستور 2011 لتطلعات الحقوقيين المغاربة، عندما نص في المادة 122 على حق كل متضرر من خطأ قضائي في الحصول على تعويض تتحمله الدولة .
كما نص في المادة 109 على إمكانية متابعة القاضي إداريا من أجل الخطأ المهني الجسيم. 

كما أن الدستور نص صراحة على أن الإتفاقيات الدولية تسمو على القوانين الداخلية، وفي ذلك تبني لإتفاقية الحقوق المدنية والسياسية التي تنص في المادة 9 الفقرة 5 على وجوب التعويض عن التوقيف أو الإعتقال الغير قانوني، وأيضا التوصية 17 الصادرة عن المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات المنعقد بروما سنة 1953، التي توجب أيضا التعويض عن الحبس المؤقت إذا كان نتيجة خطا ظاهر.

وهكذا سنجد أن المحاكم الإدارية المغربية التي كانت قد قررت اختصاصها للبت في طلبات التعويض عن الخطأ القضائي قبل صدور الدستور، تصدت للبت في هذه الطلبات بجرأة وكفاءة رغم بعض المنزلقات في بعض المحاكم الإدارية. 

ومن هذه القرارات المضيئة الحكم رقم 325 مكرر الذي صدر في الملف رقم 2012/12/170 بتاريخ 2013/1/31 عن المحكمة الإدارية بالرباط والذي ننوه بتعليله كما يلي: ( وحيث إن مرفق القضاء وباعتباره من المرافق العمومية للدولة شأنه شأن باقي الإدارات العمومية يخضع لقواعد المسؤولية الإدارية على افتراض ثبوتها، ولا يحد من المسؤولية أو يلغيها من حيث المبدأ استقلال القضاء أو خصوصية الأعمال القضائية، لأن السلطة القضائية ليست فوق المحاسبة أو المسألة طالما أن الشرعية أو المشروعية هي عماد المؤسسات وحصنها الأساسي، لخضوع الجميع لمقتضياتها حاكمين ومحكومين، وواجب المحاسبة المكرس دستوريا في الفصل 154 المحك الأصلي لإثبات وجودها وفعاليتها حماية لحقوق المتقاضين وضمانا لقواعد سير العدالة المكرسة دستوريا وصونا للأمن القانوني والقضائي ). 

2 - التعريف بالخطأ القضائي

خلال مطالعاتي لإعداد هذا البحث المتواضع لم أعثر على تعريف دقيق وواضح للخطأ القضائي بمعناه العام، اللهم ما صدر عن الفقيه الفرنسي دومنيك دوفال من أن الخطأ القضائي بمعناه الواسع يخص كل القرارات المشوبة بخطا، والصادرة عن المحاكم عندما تصبح هذه القرارات غير قابلة لأي طعن. 

كما أن القضاء دأب على التفريق بين الخطأ القضائي، والخطأ الشخصي للقاضي، واعتبر أن الخطأ القضائي ينسب لمرفق القضاء، بينما خطأ القاضي ينسب للقاضي شخصيا. 

ولعلني أميل لهذا التعريف الذي هو في الحقيقة معيار للتفريق بين الخطأ القضائي وخطأ القاضي، فالخطأ القضائي لا يكون متعمدا، ولا بسبب غش أو تدليس لأن القاضي يمكن أن يقع في الخطأ بسبب ما يحتوي عليه الملف المعروض عليه من أدلة، قد يكون بعضها مفبركا، أو مزورا، أو بسبب شهادات بغير الحقيقة، أو اعترافات أخذت تحت التعذيب، أو غير ذلك من الأسباب التي تؤدي لصدور حكم بإدانة متهم بريء، أو حكم ينتزع الحق من صاحبه. 

لذلك استند الفقه والقضاء على نظرية المخاطر لترتيب المسؤولية عن الخطأ القضائي، وبذلك فإن المتضرر غیر مطالب إلا بإثبات الضرر، والعلاقة السببية بين نشاط مرفق القضاء والضرر اللاحق به، والذي لا يشترط أن يكون راجعا لخطأ القضاة. 

وهذا ما أكدت عليه العديد من الأحكام الإدارية حتى قبل صدور دستور 2011 ومنها حكم بمحكمة الإستئناف الإدارية بالرباط في قرارها عدد 906 بتاريخ 2007/11/28 ( كل ذلك يؤكد على أن هناك خطأ قضائيا كان ضحيته المرحوم عبد الواحد المولى وهو خطأ ينسب للقضاء إلا أن مسؤوليته تقع على الدولة المغربية ولو بدون خطأ من جانبها، استنادا لنظرية المخاطر التي تجعل المسؤولية قائمة في حق الإدارة ولو بدون خطا مما يجعل الضحية غير ملزم بإثبات الخطأ من جانب الدولة المغربية ) .

ويلاحظ أن هذا الحكم قد بت أيضا في اختصاص المحاكم الإدارية لنظر طلبات التعويض بعد صدور قرار بمراجعة حكم بالإدانة في إطار المادة 573 ق.م.ج وقرر أن هذا الإختصاص مشترك بين الغرفة الجنائية التي تبت في المراجعة وبين المحاكم الإدارية، معللا ذلك كما يلي: ( لكن إن عبارة يقبل طلب التعويض في سائر مراحل مسطرة المراجعة الواردة في الفقرة الثالثة من المادة 573 من القانون المذكور، لا تفيد حتما أن اختصاص القضاء الجنائي للبت في طلب التعويض عن الضرر الناتج عن الخطأ القضائي المقدم من قبل من صدر قرار المراجعة لفائدته هو اختصاص مانع لا يزاحمه فيه القضاء الإداري، بل إن صدور هذا القرار لا يمنع المتضرر من تقديم طلب التعويض أمام المحكمة الإدارية استنادا إلى أن المادة الثامنة من القانون رقم 41/90 التي تمنح الإختصاص للمحاكم الإدارية للبت في دعاوي التعويض التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام لم تستثن إلا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات يملكها شخص من أشخاص القانون العام ولم تستثن الأضرار الناجمة عن الخطأ القضائي موضوع نازلة الحال، ويستنتج من ذلك أن للمتضرر من الخطأ الخيار بين تقديم طلب التعويض أمام القضاء الجنائي في إطار مسطرة المراجعة الجارية أمام المجلس الأعلى، أو أمام المحكمة الإدارية بعد صدور قرار المراجعة لفائدته ). "محكمة الإستئناف الإدارية بالرباط قرار 906 بتاريخ 2007/11/28". 

وقد استقرت المحاكم الإدارية وغرفة الإستئناف بمحكمة النقض بعد ذلك على هذا التوجه. 
ومما يجدر التنويه عنه أن الخطأ القضائي ليس محصورا في القضايا الجزائية ولا في الإعتقال الإحتياطي أو الحبس أو السجن بعد الإدانة الجنحية أو الجنائية، ولكن المتضرر يمكنه مطالبة الدولة بالتعويض عن كل الأضرار الناتجة عن خطأ قضائي حتى في المجال المدني، وقد قررت المحكمة الإدارية بالرباط في الملف 325 مكرر بتاريخ 2013/1/31 أنها مختصة للبت في طلب التعويض عن خطأ قضائي في ملف مدني صدر فيه قرار عن محكمة النقض، اعتبرت الطاعنة أنه ألحق بها ضررا، لأن الهيئة لم تتأكد من صحة البيانات بعريضة النقض لمراقبة صحة التبليغ، وكذلك لورود معلومات غير مطابقة للواقع بمحضر الجلسة .

لكن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض التي استؤنف هذا الحكم أمامها قررت إلغاءه والحكم بعدم الاختصاص في الملف الإداري 2013/1/4/1303 بتاريخ 2013/7/18، ليس لعدم اختصاصها للنظر في خطأ صدر في حكم مدني، ولكن لأن الخطأ منسوب لقضاة محكمة النقض، وليس للمحكمة أدنى درجة أن تنظر في خطأ منسوب لقضاة بمحكمة أعلى درجة، إذ جاء في تعليل قرارها: ( حيث إن الطلب يرمي إلى التصريح بمسؤولية قضاة محكمة النقض عن الضرر الذي يمكن أن يكون قد لحق بالمدعي والحكم نتيجة لذلك بالتعويض، فإن البت في الدعوى يتطلب البحث فيما إذا كان قضاة محكمة النقض قد ارتكبوا خطأ أم لا أثناء ممارستهم لمهامهم ولا يجوز لمحكمة دنيا أن تقيم عمل محكمة أعلى درجة، لذلك فإن المحكمة الإدارية غير مختصة بالبت في الدعوي ). 

ونظرا لأن الفصل 122 من الدستور ورد عاما لم يخصص بالقضايا الجنائية دون القضايا المدنية، فإن الخطأ القضائي الذي تعنيه مقتضيات النص يشمل كل خطأ قضائي صدر من أية جهة قضائية كانت، لكن قضية الإختصاص التي لم تحدد تجعلنا نرجع إلى القياس على ما حددته مقتضيات مختلفة بقانون المسطرة المدنية، سواء الفصل 391 وما يلية المتعلق بخطأ القضاة أو 295 وما يلية المتعلق بتجريح القضاة، للقول بأن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض هي المختصة للبت في حالة طلب تعويض عن خطأ قضائي صادر عن محكمة النقض، وهذه إشكالية لم تجب عنها محكمة النقض في هذا القرار ويمكن أن تكون موضوع نقاش للحسم فيها .

كما أن المحاكم الإدارية وفي إطار نظرها في أعمال النيابة العامة، وتحديدها لجهة الإختصاص للبت في قضايا المسؤولية عن الخطأ القضائي، ميزت بين الأعمال التي تقوم بها النيابة العامة في إطار التدبير الإداري لمرفق النيابة العامة، وبين القرارات التي تصدرها في إطار عملها القضائي، وكانت هذه المحاكم وكذا المجلس الأعلى آنذاك أي قبل صدور دستور 2011 تقضي بعدم الإختصاص للبت في القرارات التي تصدر عن النيابة العامة في إطار عملها القضائي " قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى". 

غير أن هذا الأمر تغير بعد صدور دستور 2011 وأصبحت المحاكم الإدارية تصرح باختصاصها للبت في الأخطاء القضائية التي ترتكبها النيابة العامة في إطار عملها القضائي، ومن ذلك الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط في الملف عدد 2012/12/613 بتاريخ 2013/7/25 وهو حكم يستحق التنويه إذ جاء فيه ( وحيث إن تقصير النيابة العامة في الرقابة على الشرطة القضائية بإلزامها على تنفيذ الإجراءات بإحضار المتابعين أمام المحكمة، وتحريك الوسائل القانونية في مواجهتها تدعيما لمبدأ المحاسبة والمسؤولية تطبيقا للفصلين 128 و 154 من الدستور والفصول 18، 37، 40، 45، 364 من قانون المسطرة الجنائية، وعدم تدارك الخطأ رغم الطلب المتكرر للدفاع والمحكمة لعدة جلسات، بشكل أصبح التأخير وتأجيل المحاكمة أمرا اعتياديا لا لبس فيه، يرتب مسؤولية النيابة العامة عن الخلل في سير مرفق القضاء وعرقلة نشاطه المعتبر خطأ جسيما ). 

وهو حكم جدير بالتنويه أيضا لأنه استند إضافة للقوانين المحلية المشار إليها أعلاه إلى الإتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل المملكة. 

كما أن هذه المحاكم ومن جهة أخرى، اعتبرت أن مسؤولية النيابة لا تترتب إلا إذا كانت هي المشرفة مباشرة على المرفق المرتكب للخطأ، وهي التي أصدرت التعليمات المرتبة للخطأ، وبذلك قررت المحكمة الإدارية بالرباط في الحكم الصادر بتاريخ 2012/5/24 ملف 24/5/2012 ( حيث إن إشراف النيابة العامة على أعمال الشرطة القضائية طبقا للمادة 353 وما يليها من ق.م.ج لا يمكن أن يرتب مسؤوليتها بصفة آلية عن الخطا القضائي الذي تحمله الدولة طبقا للفصل 122 من الدستور ما دامت لم تصدر عنها تعليمات مباشرة كانت سببا في وقوع الخطأ المدعي بشأنه، لأن ضياع المحجوز بين يدي الضابطة القضائية يعتبر فعلا ماديا يتحمل مرفق الأمن المسؤولية المباشرة عنه تبعا للمادة 23 من ق.م.ج ) .

كما أن المجلس الأعلى قبل صدور دستور 2011 قرر اختصاص المحكمة الإدارية للنظر في دعوى التعويض عن خطأ مصلحي ناتج عن سوء تسيير المرفق إداريا وأنه لا يعتبر خطأ قضائيا، في تمييز واضح بين نشاط النيابة العامة الذي يندرج ضمن تدبيرها الإداري للمرفق وبين الأعمال المندرجة ضمن سلطتها القضائية. 

كما نجد أن المحاكم الإدارية ومحكمة النقض قد أصدرت عدة قرارات تميز فيها بين ما يعتبر خطأ قضائيا تختص المحاكم الإدارية بالبت فيه، وما يعتبر خطا القاضي في إطار المخاصمة ويختص المجلس الأعلى " محكمة النقض حاليا " بالبت فيه، وفي هذا الإتجاه صدر قرار المحكمة الإدارية بالرباط في الملف 171/12/2012 بتاريخ 2013/3/20 الذي جاء فيه ( حيث إن تحديد الجهة القضائية المختصة، يقتضي تكييف طبيعة الخطأ المرتكب ونوعية المرفق موضوع المساءلة ، والجهة المسؤولة عنه وما إن كان خطأ شخصيا يسأل عنه القاضي مدنيا في حالات المخاصمة، أو خطأ مرفقيا تسأل عنه الدولة في إطار قواعد المسؤولية الإدارية ) .

كما جاء في قرار آخر لنفس المحكمة بتاريخ 1999/1/7 ( وحيث إن الإختصاص للبت في مخاصمة القضاة يعود للمجلس الأعلى طبقا للمادة 353 من ق.م.م وليس للمحاكم الإدارية ما دام القانون 90/41 المحدث لها لا ينص على ذلك ) .

يبقى أن نشير أخيرا إلى أن التعويض عن الضرر اللاحق جراء الخطأ القضائي، لا يترتب إلا عند التأكد من أن الحكم أو الإعتقال المطلوب التعويض عنه كان خطأ، أي أن سقوط الدعوى مثلا بالتقادم، أو صدور عفو عن المتهم، لا يبرر الحكم بالتعويض، كما أن طلب التعويض لا يكون مقبولا إلا بالنسبة للأحكام الصادرة بصفة نهائية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن.

3 - التعريف بخطأ القاضي

لقد نظم قانون المسطرة المدنية الإجراءات التي يجب اتباعها لمخاصمة القضاة في الفصل 391 ق.م.م الذي حدد الحالات التي يجب فيها اللجوء لمسطرة المخاصمة في حالات ارتكاب تدليس أو غش أو غدر من قبل القاضي وفي حالة إنكار العدالة .

وقد نص الفصل 81 من قانون الإلتزامات والعقود على أن القاضي الذي يسأل طبقا لحالات المخاصمة هو القاضي الذي يخل بمقتضیات منصبه.

وجاء دستور 2011 مؤكدا لنص المادتين وموسعا من مجال حالات خطأ القاضي في الفصل 109 ( يعد كل إخلال من القاضي بواجب الإستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما ). 

وبذلك يمكننا تبني هذا التعريف لمخاصمة القاضي في كل الحالات، خصوصا منها الحالات التي لا تعتبر غشا أو تدليسا أو إنكارا للعدالة، ولذلك اعتبر الفقهاء الذين تناولوا هذا الموضوع أن مقتضى الفصل 109 من الدستور يتيح مساءلة القضاة في الحالات التي لا تتوفر فيها شروط مخاصمة القضاة، وتتحمل الدولة مسؤولية أداء التعويض لتقصيرها في اختيار قضاتها، وأعتقد أن في هذا التوجه تطبيق سليم لنص الفصل وإنصاف للمتضررين، ومعروف أن خطأ القاضي هو خطأ شخصي ثابت في حق القاضي بصفة شخصية ومتعمدة، 

ولذلك فإنه على عكس الخطا القضائي يجب إثباته من قبل المتضرر، سواء بالنسبة للإخلال الناتج عن غش أو تدليس، أو بالنسبة لإنكار العدالة، لذلك فإننا سنجد أنفسنا أمام ندرة نادرة لأحكام، مخاصمة القضاة، خصوصا مع استقرار فكر محصن للقضاة لمدة طويلة تجلى في قرار المجلس الأعلى بغرفتية الذي سبقت الإشارة إليه عدد 248 بتاريخ 1991/10/29 والذي لا بأس أن نعيد قراءته وجاء فيه: ( حيث إن قاضي الحكم لا يتحمل أية مسؤولية عن الأحكام
التي يصدرها ولو ارتكب خطأ في تأويل أو تطبيق القانون أو تحريفه ) .

لكننا نأمل أن يكون نص الدستور على إمكانية مساءلة القضاة عن الإخلال بواجباتهم، حافزا لتغيير هذا الفكر المقدس للقضاة وهم بشر معرضون للخطأ، ولعل القرار الجريء الذي صدر مؤخرا عن المجلس الدستوري والذي أقر بوجوب مساءلة القضاة عن الخطأ سواء في مساطر الشكل أو قوانين الموضوع، سوف يحتذي من قبل قضاة محكمة النقض طبقا للمبدأ الذي أقره دستور 2011 في فصله الأول والفصل 154 وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نص عليه أيضا خطاب الملك اليوم 17 يونيه 2011 عندما قدم مشروع الدستور للشعب المغربي، وهذا يتطلب التخفيف من حدة الشروط المتطلبة في مسطرة المخاصمة، والتخفيف من عبء الإثبات أيضا، عندما يكون انتهاك القانون واضحا ومكشوفا، كما أصبح عليه الحال في عدة أحكام تفوح منها رائحة العمد والإنحراف، وأخرى تنم عن جهل وعدم كفاءة، وطبعا فنحن لا نعمم ونحرص على التنويه بقضاتنا الأجلاء الأكفاء النزهاء الذين نعتز ونفخر بهم .

أما الإختصاص لنظر دعاوي التعويض عن خطأ القضاة في المخاصمة فمحسوم للمجلس الأعلى " محكمة النقض حاليا " بالنص الصريح للفصل 395 من ق.م.م ( ترفع مخاصمة القضاة للمجلس الأعلى ) .

4 - مساطر طلب التعويض عن الخطأ القضائي

نظرا لأن طلب التعويض عن الخطأ القضائي يمكن أن يترتب عن قرار للغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى " محكمة النقض " في إطار المراجعة، حسب مقتضى الفصول من 565 إلى 574 من ق.م. ج، كما يمكن أن ينتج عن أية حالة أخرى من حالات الخطأ القضائي الذي تختص لنظرها المحاكم الإدارية، فإن المسطرة تختلف في كل من الحالتين عن الأخرى، فالمادة 573 من قانون المسطرة الجنائية تسمح بتقديم طلب التعويض في سائر مراحل مسطرة المراجعة أمام الغرفة الجنائية بمحكمة النقض من طرف المتضرر شخصيا، أو من قبل زوجه أو أصوله أو فروعه في حالة وفاته، ولا يقبل الطلب من غيرهم إلا إذا أثبت الضرر المادي
الذي لحقه من العقوبة المحكوم بها والدولة هي التي تتحمل أداء التعويض مع الإحتفاظ بحقها في الرجوع على من تسببوا بخطئهم في صدور العقوبة كالطرف المدني أو الواشي أو شاهد الزور .

وسبق أن أشرنا إلى أن دعوى التعويض في هذه الحالة يمكن أن ترفع حتى بعد صدور قرار المراجعة أمام المحاكم الإدارية، وتعفي طلبات التعويض سواء أمام الغرفة الجنائية أو أمام المحكمة الإدارية من أداء الرسوم القضائية بناء على ما عللت به إدارية الرباط في القرار 906 ( لكن حيث من جهة فإن صدور قرار المجلس الأعلى ( الغرفة الجنائية ) المشار إلى مراجعة أعلاه القاضي بالمراجعة وببراءة المتهم ( المدعي ) يجعله معفي من أداء الرسوم القضائية طبقا للفقرة الأولى من المادة 574 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على ما يلي: ( أما المصاريف الواجبة بعد هذا القرار فتسبقها الخزينة، وأن هذا الإعفاء القانوني من أداء الرسوم القضائية ينسحب حتى بالنسبة للمدعي الذي تقدم في هذه الحالة بطلب التعويض أمام المحكمة الإدارية تكريسا لمبدأ الخيار المتحدث عنه أنفا ) .

أما الطلبات الأخرى التي يمكن أن تنتج عن خطأ إجرائي أو اعتقال احتياطي أو حكم أثبت براءة المتضرر قبل أن يصبح نهائيا غير قابل للطعن إلا بالمراجعة، فإنها جميعا تقدم أمام المحكمة الإدارية وفقا لأحكام المادة 3 من الظهير المحدث للمحاكم الإدارية بتنفيذ القانون 41/90، وقد قررت محكمة النقض في القرار 385 بتاريخ 2013/4/18 اختصاص المحكمة الإدارية معللة كما يلي ( حيث يؤخذ من وثائق الملف ومن بينها الحكم المستأنف أن المدعي المستأنف تقدم بمقال أمام المحكمة الإدارية بمراكش طلب فيه تعويضه عن الأضرار التي لحقته نتيجة متابعته من أجل جنحة النصب، وقد صدر القرار غير المطعون فيه بالنقض من طرف محكمة الإستئناف بتازة قضى ببراءته مما نسب إليه، وبعد المناقشة أصدرت
المحكمة الإدارية حكمها القاضي بعدم الاختصاص....

حيث صح ما عابه الطالب على الحكم المستأنف ذلك أن النازلة الحالية كما عرضت على المحكمة الإدارية فإن الطلب يتعلق بتعويض عن ضرر نسبه الطالب إلى مرفق عام تكون بذلك المحكمة الإدارية مختصة بالبت فيه عملا بالمادة 8 من القانون المحدث للمحكمة الإدارية ). 

ويشترط تقديم الطلب في مقال مكتوب موقع من قبل محام مسجل بإحدى هيئات المحامين بالمغرب، يتضمن البيانات المتطلبة في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية، التي تطبق قواعدها على الإجراءات التي تقوم بها المحكمة بعد ذلك، ويجب أن تؤدي الرسوم القضائية على هذه الطلبات أو تطلب المساعدة القضائية التي يمكن أن يمنحها رئيس المحكمة الإدارية طبقا لنص الفقرة الأخيرة من المادة 3 من قانون 41.90 .

5 - مساطر طلب التعويض عن خطأ القاضي 

حددت مقتضيات المواد 393 وما يليه من قانون المسطرة المدنية الإجراءات المسطرية الواجبة الإتباع لمخاصمة القضاة، فألزمت المتضرر بتوجيه إخطارين للقاضي موضوع المخاصمة يبلغان إليه شخصيا، بين الإنذار الأول والثاني خمسة عشر يوما، ويقوم بهذين الإنذارين رئيس كتابة الضبط بالمحكمة التي تعلو مباشرة المحكمة التي يعمل بها القاضي، ويقوم بذلك رئيس كتابة الضبط بالمجلس الأعلى إذا تعلق الأمر بمستشار بمحكمة استئنافية أو بالمجلس الأعلى. 

وترفع الدعوى للمجلس الأعلى " محكمة النقض " بعد بقاء الإخطارين بدون جدوى، ويلاحظ أن تعبير المشرع في هذا الصدد يشوبه بعض الغموض لأنه يطرح تساؤلا عما يجب عمله إذا أجاب القاضي عن الإنذار ونفي ما نسب إليه، وأعتقد أن المشرع لم يستعمل عبارة بقاء الإخطارين بدون جواب، ولكن نص على بقاء الإخطارين بدون جدوى، أي دون أن يقتنع المتضرر بالجواب أو دون أن يتوصل بجواب أصلا، والمشرع لم يحدد أجلا للتوصل بالجواب ولكنه يجب في اعتقادي أن يكون أجلا معقولا. 

بعد ذلك يمكن للمتضرر رفع دعواه أمام محكمة النقض " المجلس الأعلى سابقا" بمقال مكتوب موقع من المعني أو وكيل يجب أن يعينه بوكالة رسمية خاصة ترفق بالمقال مع المستندات التي يتوفر عليها لتعزيز ادعائه، ويترتب البطلان عن عدم إرفاق الوكالة الخاصة، ويعين رئيس غرفة بمحكمة النقض " المجلس الأعلى " للبت في قبول المخاصمة أو رفضها، ويقضي بغرامة على المدعي عند الرفض مع التعويضات للأطراف عند الطلب، وإذا قبل الطلب بتت في الدعوى غرف المجلس مجتمعة ما عدا الغرفة التي نظرت في قبول الطلب، وينذر القاضي موضوع الدعوى للإدلاء بوسائل دفاعه، ويمنع عليه النظر في أية قضية يكون المدعي أو زوجه أو أحد أصوله أو فروعه طرفا فيها وإلا كان الحكم الذي يصدر باطلا. 

إذا حكم لصالح المدعي بتعويضات تؤديها الدولة مع إمكانية الرجوع على القاضي موضوع المخاصمة، وإذا رفض الطلب أمكن الحكم عليه بتعويضات لصالح القاضي الموجهة ضده الدعوى .

___________________
المصدر مقال الخطأ القضائي وخطأ القاضي ومساطر التعويض عن كل منهما للأستاذة بشرى العاصمي





 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -