دور المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالمغرب

جديد

دور المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالمغرب

دور المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالمغرب

العنوان
    دور المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالمغرب    
انجاز الطلبة      مريم بداه
تحت اشراف الدكتور    نصير مكاوي 
نوع المرجع   رسالة  
السنة الجامعية    2020/2019
عدد الصفحات128 ص
حجم الملف3MO
نوع الملفPDF
روابط التحميلmediafire أو google drive
دور المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالمغرب

مقدمة

   تطلع الدولة في النظام العالمي المعاصر بوظائف اجتماعية واقتصادية وسياسية لقيادة المجتمع قيادة رشيدة، وتنظيمية تنظيما فعالا في حكم رشيد عادل ومنصف، ويعتبر المال العام، الوعاء الأساسي الذي من خلاله تقوم الدول بمختلف هذه الوظائف وتجسيدها على أرض الواقع، من خلال سياساتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

   ولحماية المال العام، عملت جل الدول من خلال دساتيرها وتشريعاتها الداخلية - بما فيها المغرب إلى إقرار جملة من النظم والآليات الرقابية بغرض حماية هذا المال والسهر على إنفاقه وتخصيصه وفقا للبرامج المحددة له.

  وتشكل الرقابة العليا على الأموال العمومية في كل المجتمعات الديمقراطية أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها صرح الحكامة الجيدة في كل تجلياته المالية والاقتصادية والاجتماعية وحتى القضائية.

   من هنا، يظهر الدور المهم الذي تلعبه المحاكم المالية في حماية المال العام، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، إذ إن إشكالية الرقابة بمختلف تلويناتها تعد الإشكالية المحورية في مختلف النقاشات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

   وبدون الخوض في النقاش الفقهي والقانوني حول الطبيعة القانونية للمحاكم المالية، يمكن القول بأن المجلس الأعلى للحسابات يعتبر حسب المشرع المغربي الهيئة العليا للرقابة على المال العام على المستوي المركزي، بينما تتولى المجالس الجهوية الرقابة على المستوى المحلي. 

   وقد عرفت الرقابة على المال العام في المغرب تطورا تدريجيا سواء بالنسبة للأجهزة المكلفة بها، أو بالنسبة لطبيعة الصلاحيات المسندة لها على مستوى مختلف مجالات تدخلها.

   وقد توفر المغرب منذ القدم على أجهزة مختلفة لمراقبة الأموال العمومية، فبالإضافة إلى وجود الحسبة وولاية المظالم اللتين ظلتا تستمدان أحكامهما من الشريعة الإسلامية، فقد تحكم الأمناء إلى حد كبير في مراقبة الأموال العمومية، غير أن هذه الفترة السابقة على القرن التاسع عشر قد تميزت بالتدبير المالي البسيط والتقليدي.

   وقد قام السلطان الحسن الأول بإصلاح حول بموجبه أمين الأمناء إلى وزير المالية، وجعله أول مسؤول عن بيت المال ومصاريف الموظفين، ومكلف بتقديم لائحة إلى أمين السر الذي يقوم بالصرف.

   ثم في عهد الحماية الفرنسية وفي إطار التغييرات التي أحدثتها سلطات الحماية للنظام الإداري المغربي، تم إلغاء مؤسسة الأمناء و تعويضها بتقنيات المراقبة العصرية بشكلها المعروف آنذاك في فرنسا، ذلك من خلال تبني فكرة الميزانية العامة وإحداث خزينة عمومية، حيث تم ابتداء من سنة 1912 إحداث المديرية العامة للمالية، كما تم إحداث مراقبة الالتزام بنفقات الدولة كمراقبة سابقة لمواجهة بعض الخروقات المالية التي بدأت في الظهور، وعمدت السلطات الفرنسية إلى ربط هذه الآليات بمركز القرار في فرنسا عندما أخضعت جميع المعاملات والحسابات المالية المغربية لرقابة محكمة الحسابات الفرنسية. 

   أما بعد استقلال المغرب من الاستعمار الفرنسي فقد حاول تكييف وتعديل بعض النصوص القانونية المتعلقة بالنظام الرقابي على الأموال العمومية، بحيث تم إحداث اللجنة الوطنية للحسابات بموجب ظهير 14 أبريل 1960 عوض اللجنة المحلية للحسابات 3. لكن هذه اللجنة لم تستطع القيام بالمهام المنوطة بها، وذلك راجع لمجموعة من العوامل منها ما هو تشريعي وتنظيمي وبشري ومالي، ذلك أن اختصاصاتها ظلت محدودة في غياب استقلال عضوي ووظيفي ومالي، بالإضافة إلى غياب أطر مؤهلة، فضلا عن تبعيتها إداريا وماليا لوزارة المالية. 

   في هذا السياق، تم إنشاء المجلس الأعلى للحسابات بمقتضى قانون رقم 412.79 الصادر بتاريخ 14 شتنبر 1979، باعتباره الهيئة العليا المكلفة برقابة الأموال العمومية في المغرب، حيث عهد إليها بالنظر في حسابات المحاسبيين العموميين، وممارسة اختصاصات قضائية في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، ثم تقويم تسيير الأجهزة الخاضعة لها.

   وتجدر الإشارة إلى أن غياب التنصيص الدستوري على هذه المؤسسة طيلة الفترة الممتدة من إنشاء المجلس إلى غاية المراجعة الدستورية لسنة 1996، التي كانت خطوة في اتجاه اصلاح منظومة الرقابة المالية، عبر الارتقاء بالمجلس إلى مصاف المؤسسة الدستورية، وكذا التنصيص على إحداث مجالس جهوية للحسابات تمارس مهامها على المستوى المحلي، من أجل تخفيف العبء على المجلس الأعلى للحسابات في ظل موارده البشرية المحدودة واتساع نطاق مراقبة الجماعات الترابية، في إطار تدعيم سياسة لامركزية تدبير الشأن العام وفق حكامة جيدة ورشيدة وهذا ما تم تأكيده في دستور سنة 2011. 

   وقد حدد القانون رقم 62.99 الصادر سنة 2002 نطاق عمل المحاكم المالية بالمغرب، والضمانات المخولة لقضاتها والإجراءات المسطرية المعتمدة في ممارسة هذا التخصص، والذي اعتبر مدخلا لإصلاح القانون الأصلي رقم 12.79 المنظم سابقا للمجلس الأعلى للحسابات، مضيفا بذلك المجالس الجهوية للحسابات، وادماج محتوياته مع المقتضيات الخاصة بالنظام الأساسي لقضاة المحاكم المالية التي كانت موضوع القانون رقم 28.80.

   وقد أنيطت بالمحاكم المالية بالمغرب سواء المجلس الأعلى للحسابات أو المجالس الجهوية للحسابات اختصاصات قضائية وأخرى إدارية، في إطار السعي إلى ضمان مشاركتهم بفعالية في عقلنة التدبير العمومي، والرفع بدورهم بالشكل المطلوب لصيانة المال العام.

  وإلى جانب اختصاص البت والتدقيق في حسابات المحاسبين العموميين يعتبر اختصاص الرقابة القضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، المهمة الثانية للمحاكم المالية، كمحاكم بكل ما يستلزم ذلك من ضمانات لحقوق الدفاع والاستماع لأي شخص، يمكن أن تثار مسؤوليته بحضور محاميه أثناء المحاكمة فضلا عن إمكانية استدعاء الشهود.

   إن هذه المهمة القضائية وهذا الدور الرقابي الذي يقوم به كل من المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، هو ما نحن معنيون بدراسته و عرضه في هذه الرسالة ... 

الفصل الأول : الرقابة القضائية في ميدان التأديب المالي بين التنظيم ونطاق الاختصاص

   تعتبر المحاكم المالية الهيأة المكلفة بمراقبة المال العمومي بالمملكة، كما أنهم يتولون طبقا لأحكام دستور 2011 مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة في مجال التدبير العمومية.

   وتتشكل هذه المحاكم المتمثلة في كل من المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات من الهيئات الأساسية، غايتها الحفاظ على التسيير القانوني والإداري في إطار مهامها ووظائفها، وتتكون هذه المجالس المكلفة بالرقابة المالية على المستوى المركزي والترابي، من تشكيلات تكون البناء التنظيمي، والتي تساهم في إطار منظم من الناحية القانونية ووفقا للقانون المنظم لها من ممارسة اختصاصاتها.

   والملاحظ أن المشرع المالي المغربي، سار على نفس نهج نظيره الفرنسي، فيما يخص طبيعة الهيئات المكلفة بمراقبة حسابات وتسيير المؤسسات العمومية، على اعتبار أن المحاكم المالية تتوفر على إطار تنظيمي جد قريب من النموذج الفرنسية.

   ومن أجل تحقيق هذه الغاية المرتكزة بالأساس على حماية المال العام، يستوجب توفرها على رأس مال بشري كمادة أساسية تعمل داخل هذه الأجهزة والهيئات، لكونها هي المكلفة بممارسة مجمل الوظائف والمهام الموكولة لهذه المحاكم (المبحث الأول)، وكذا تمتيعها بصلاحيات واختصاصات إدارية متمثلة في مراقبة التسيير واستخدام الأموال العمومية، وأخرى قضائية  تهم كل من النظر في الحسابات وميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.

   وتعتبر مادة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية شكل من أشكال الرقابة، الذي يبرز خصوصية وأصالة تجربة المحاكم المالية المغربية، بحيث يمارس اختصاصا قضائيا مزدوجا يتجلى في توليه لممارسة الرقابة القضائية على المحاسبين العموميين والأمرين بالصرف في آن واحد، فيما أن نفس هذا الاختصاص الأخير أي مراقبة الأمرين بالدفع أو الصرف تتولاه في التجربة الفرنسية محكمة التأديب المالية، وهي هيئة مستقلة عن المحاكم المالية الفرنسية ، وبالعودة للتجربة المغربية، اعتبر المشرع مجال التأديب المالي مهمة قضائية بنص القانون، من خلال المادتين 51 و136 من مدونة المحاكم المالية، حيث إن الأصل في إحداث المحاكم المالية هو الرقابة والتقويم والزجر، ومن ثم ينظر إليها باعتبارها وسيلة للمجتمع في الرقابة على إدارته، وعلى كيفية تدبير المسؤولين والموظفين العموميين للأموال العامة (المبحث الثاني).

الفصل الثاني : مجال مساءلة المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية وتقييم حصيلة أدائها.

   يعتبر اختصاص الرقابة القضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، الوجه الثاني لرقابة المشروعية أو المطابقة ، ذلك لكونها تنصب أساسا على تصرفات الأمر بالصرف، كما أنها لا تعتبر اختصاصا رقابيا كما هو الشأن بالنسبة للبت في الحسابات، بل تشكل الوظيفة العقابية الرئيسية للمحاكم المالية. 

   وتبعا لذلك إذا كان البت في الحسابات يتسم بكونه اختصاصا دوريا ومنتظما يتسم بالطابع الملزم، فإن ممارسة اختصاص التأديب المالي رهين بمسطرة تتميز بخاصيتين أساسيتين : أخذ المبادرة من طرف السلطات المؤهلة وإعمال النيابة العامة لسلطتها التقديرية عند النظر في طلبات هذه السلطات وهذا الشكل من الرقابة، هو الذي يبرز خصوصية وأصالة تجربة المجلس الأعلى للحسابات المغربي، بحيث يمارس اختصاصا قضائيا مزدوجا يتجلى في توليه لممارسة الرقابة القضائية على المحاسبين والامرين بالصرف في آن واحد. 

   فيما أن نفس هذا الاختصاص الأخير أي مراقبة الامرين بالصرف تتولاه في التجربة الفرنسية محكمة التأديب المالية ، وهي إحدى الهيئات المستقلة رغم أن تجربة هذه المحاكم في فرنسا طالتها مجموعة من الانتقادات، إذا اعتبرها البعض على أنها هيئة تابعة لمحكمة الحسابات من الناحية التنظيمية، مما ينعكس سلبا على الأداء الوظيفي لهذه المحكمة المتخصصة .

   وتختلف طبيعة المخالفات المستوجبة للمسؤولية أمام القاضي المالي حسب الاختصاص الذي يبت فيه هذا الأخير كانعكاس لاختلاف وتنوع وظائف وأدوار مختلف المسؤولين المتدخلين في التدبير العمومي، وللتوزيع في المهام المنبثق عن مبدأ فصل المهام بين الأمر بالصرف والمحاسب العمومي، وهي عناصر أفضت إلى اعتماد المشرع المغربي نظاميين قضائيين للمسؤولية أمام القاضي المالي، الأول يهدف إلى ضمان مبدأ حصرية مهام المحاسب العمومي في مجال قبض وحيازة الأموال العمومية، في حين تشمل المساءلة في إطار النظام الثاني جميع مظاهر التدبير من أجل ضمان شرعيته وفعاليته.

  وبالنتيجة، تختلف عناصر قيام المخالفات المستوجبة للمسؤولية حسب طبيعة الاختصاص القضائي الذي يتم في إطاره البت فيها والغاية منه. بحيث أن اختصاص التأديب المالي يعتبر اختصاصا زجريا يهدف إلى توقيع عقوبات على المديرين العموميين الذين يرتكبون مخالفات تستوجب المسؤولية، وقد يتخذ في بعض الحالات، طابعا تعويضيا، كذلك، في حالة تسبب المخالفات المرتكبة في خسارة مالية للأجهزة الخاضعة.

   ومن البديهي، وفقا لذلك، أن المساطر المتبعة في إطار التأديب المالي تعتبر دعوى اتهامية تميل إلى خصائص المسطرة الجنائية، كما تمتد هذه الثنائية إلى مجال العقوبات التي يصدرها القاضي المالي، التي وإن كانت تصنف كلها ضمن العقوبات المالية، فإنها تهدف بشكل عام إلى ضمان احترام القواعد القانونية المؤطرة للتدبير العمومي، كما أنها تختلف من حيث طبيعتها ووظائفها، ( المبحث الأول )، هذا مع ضرورة ملامسة عمل المحاكم

   المالية لتقييم اختصاص الرقابة القضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، وعلى ضوء ذلك سنقوم برصد بعض مظاهر الحدود المرتبطة بمسطرة التأديب المتجلية على المستوى الداخلي والخارجي ( المبحث الثاني ).


المصدر رسالة دور المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالمغرب للطالبة مريم بداه تحت اشراف الدكتور نصير مكاوي
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -