التدبير الجماعي وإشكالية التدخل التنموي

جديد

التدبير الجماعي وإشكالية التدخل التنموي

اطروحة التدبير الجماعي وإشكالية التدخل التنموي
العنوان    التدبير الجماعي وإشكالية التدخل التنموي  
انجاز الباحث     عبد الله كواعروس
تحت اشراف الدكتور    المهدي الفحصي
نوع المرجع   أطروحة 
السنة الجامعية     2018/2017
عدد الصفحات410 ص
حجم الملف2MO
نوع الملفPDF
روابط التحميلmediafire أو google drive
اطروحة التدبير الجماعي وإشكالية التدخل التنموي

مقدمة

   أصبحت الجماعات فاعلا حقيقيا في مجال التنمية، فهي تحدد الأهداف، وتخطط على المدى البعيد، وتضع الاستراتيجيات، وهي من هذا المنطلق، أصبحت أداة للتنمية على المستوى المحلي، تمكن من تصحيح الاختلالات الترابية، وتسمح ببروز إطار مناسب لاستقبال المشاريع والبرامج الاقتصادية والاجتماعية. وهذه المكانة المتميزة، ليست وليدة الصدفية، وإنما هي نتيجة تحول تاريخي وقانوني عميق، انتقلت معه مؤسسة الجماعة، من وضعية الحياد إزاء مسألة التنمية، إلى لعب دور نشيط في تحقيق مجموعة من الأهداف السوسيو - اقتصادية .

أولا : مؤسسة الجماعة بالمغرب الأساس والتطور

1- الأساس الترابي لمؤسسة الجماعة

   إن مؤسسة الجماعة، التي تعود جذورها إلى أعماق التاريخ المغربي، أصبحت بعد الاستقلال في مركز اهتمامات السلطات العمومية المركزية الراغبة في إنشاء نظام ملائم لتدبير الشؤون المحلية. واختيار الدولة لهذا الكيان الترابي، جاء بهدف خلق إطار اجتماعي واقتصادي، يشكل نواة التنظيم الإداري المغربي.

   وقد عبر الملك محمد الخامس، رحمه الله، عن ذلك بقوله: "... لذلك رأينا من الأنسب تأسيس خلية اجتماعية وسياسية، تكون قواما للنظام الجديد، وسعيا وراء هذه الغاية، قد عزمنا على إجراء الانتخابات البلدية والقروية، وعلى تحديد الاختصاصات التي ستسندها للمجالس المحلية، وذلك بمجرد ما يوضع قانون الانتخابات".

   ولأجل تجسيد هذه الرغبة السياسية، برزت الحاجة إلى ضرورة تحديد الإطار الترابي والإداري الأنسب لاستيعاب هذه المؤسسة المستحدثة. وهو ما دفع السلطات العمومية سنة 1959، إلى اعتماد أول تقطيع ترابي جماعي بعد الاستقلال، وذلك بمقتضى المرسوم الصادر في السنة ذاتها، الذي جاء تطبيقا لظهير التقسيم الإداري للمملكة الصادر بالتاريخ نفسه، والذي عمل على تقسيم التراب الوطني إلى مجموعة من الوحدات الإدارية. ويتعلق الأمر بستة عشر إقليما، وعمالتين اثنتين، وكذا مجموعة من الدوائر، والقيادات، والجماعات الحضرية والقروية.

   وبموجب هذا التقسيم، تم اعتبار الجماعات هيئات ترابية جديدة، يتم إحداثها لأول مرة في ظل المغرب المستقل، بناءا على مجموعة من المعايير، تتجاوز نظام "اجماعة التقليدي، ولا تحترم التقطيع القبلي، الذي كان سائدا من قبله. وهو ما ترتب عنه إحداث 801 جماعة، 66 منها جماعة حضرية، و735 جماعة قروية، توخت الدولة منها، القطع مع إرث الماضي، وبنياته المتجاوزة، والانتقال نحو تنظیم ترابي عصري، وحديث، قادر على تقوية الاندماج الوطني، وترسيخ البناء اللامركزي.

   بمقتضى هذا التوجه، أضحى التنظيم الجماعي يرتكز على قاعدة اقتصادية واجتماعية، تنطلق منها النواة الأولى لإحداث أنشطة متنوعة، تساهم في زعزعة الكيانات التقليدية القائمة على المرتكزات القبلية، وإحلال محلها مجالس موسعة، تعتمد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، بدل الارتباطات السلالية .

   وجدير بالذكر، أنه، وبخلاف التقطيع الترابي الذي هم العمالات والأقاليم بشكل مستمر، نجد أن الإطار الترابي للجماعات، سواء الحضرية أو القروية، عرف استقرارا إلى حدود سنة 1992. وهو ما يلاحظ على مستوى عدد الجماعات، الذي لم يشهد تغييرا كبيرا. فباستثناء التعديل الطفيف، الذي طرأ نتيجة إحداث جماعات جديدة في الأقاليم الجنوبية، وتقسيم جماعتي الدار البيضاء والرباط إلى عدة جماعات ، فإن التقسيم التراب الجماعي الأصلي، لم يكن موضوع أي تغيير جذري. 

   وعموما، وبعد حوالي 33 سنة من الممارسة الجماعية في ظل التقطيع الجماعي لسنة 1959، تبين أن مراجعة هذا الأخير، أضحت ضرورة ملحة. وذلك لعدة اعتبارات مرتبطة بمعالجة النقائص التي شابته، وكذا الاستجابة لمتطلبات المعطيات الديمغرافية، والاقتصادية، والاجتماعية المستجدة، لاسيما، مع التحول الذي طرأ على وظائف الهيئات اللامركزية بصدور ظهير التنظيم الجماعي لسنة 1976. 

   وهكذا، عرف المغرب التقطيع الترابي الجماعي الثاني سنة 1992، من خلال صدور المرسوم المنظم لهذه العملية بتاريخ 30 يونيو من السنة ذاتها. وقد توخت الدولة من هذا المشروع، تحقيق الأهداف المعلنة التالية :

- خلق وحدات ترابية ذات مجال ترابي محدود، تعبر بشكل أكبر عن التضامنات السوسيولوجية، وقابلة للضبط من أجل تحقيق التنمية المحلية .
- ترسيخ الممارسة الديمقراطية بتوسيع فرص مشاركة ومساهمة المواطنين، في تسيير الشأن العام.
- السعي نحو تقريب أمثل للإدارة من المواطنين، بغية التخفيف عنهم من مشاق التنقل، وكثرة الانتظار والبطء الإداريين.
- توسيع مجال التنمية بمضاعفة العوامل الإدارية والإقتصادية، والزيادة في فرص تجهيز الوحدات الترابية الأكثر تأخرا. 

   ومما تميز به التقطيع الترابي لسنة 1992، هو التطور الكبير في العدد الإجمالي للجماعات، والذي بلغت قيمته حوالي 80 في المائة، والناتج بالأساس عن تقسيم حوالي 57 في المائة من الجماعات. وبموجبه، أصبح عدد هذه الوحدات اللامركزية محددا في 1544 جماعة، عوض 859 كما في السابق.

  كما انتقل عدد الجماعات القروية من 760 إلى 1297 جماعة. أما الجماعات الحضرية، فقد تضاعف عددها عدة مرات، لاسيما، مع حذف المراكز المستقلة، التي ارتقت جميعها إلى صنف الجماعات الحضرية، حيث انتقل عددها من 59 إلى 247 جماعة .

   وتجدر الإشارة، إلى أن التقطيع الترابي لسنة 1992، عرف عدة تعديلات استثنائية مع مرور السنوات، استجابة لمجموعة من المتغيرات الجزئية الخاصة ببعض الجماعات، وهو ما جعل الخريطة الجماعية، لا تعرف استقرارا في عدد الجماعات، سواء الحضرية أو القروية. كما يظهره الجدول أدناه : (...) 

   وإجمالا، فقد تطور العدد الإجمالي للجماعات منذ سنة 1959 إلى غاية سنة 2015، بحوالي 87 في المائة. كما تزايدت الجماعات القروية، بنسبة تطور ناهزت قيمته حوالي 74 في المائة. في حين شهدت الجماعات الحضرية، نسبة تزايد أكبر، تجاوزت قيمته 234 في المائة، كما يلاحظ من خلال الجدول أعلاه، أن أهم زيادة عددية عرفتها الجماعات منذ سنة 1959، هي الزيادة المتمخضة عن التقطيع الترابي لسنة 1992. 

2- التطور الوظيفي لمؤسسة "الجماعة"

   تتميز مؤسسة الجماعة بالمغرب، بکوها هيئة ترابية، في ظل نظام إداري لامرکزي، وهو ما يحيلنا على إشكالية في التعريف، ترتبط، عادة، بتحديد طبيعة التنظيمات الادارية الترابية. فهذه الأخيرة، تتأثر بالتعقيد المفاهيمي التي يتميز به نظاما "المركزية" و"اللامركزية". فهذين المفهومين المرتبطين بالتاريخ والممارسة، لا يبرزان كمفاهيم محددة أو حاسمة، ما دام أن "الدولة الممركزة بشكل مطلق، لم توجد أبدا، كما أن الدولة اللامركزية، لم تكن لتوجد، أو تتشكل، بدون سلطة مركزية" .

   وبالنسبة للمغرب، وتماشيا مع التوجه العالمي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، قام باعتماد النظام اللامركزي منذ السنوات الأولى للاستقلال، على أساس أنه ذلك "النظام الإداري، الذي يسمح للجماعات الترابية بتدبير شؤونها الخاصة، بواسطة ممثليها المنتخبين، واللذين يمارسون مهامهم تحت رقابة السلطة المركزية ".

   غير أنها كانت رقابة مشددة، حولت الهيئات اللامركزية الفتية بالبلاد، إلى مجرد ملحقات ترابية للسلطة المركزية، قبل أن يتطور الوضع، مع قوانين التنظيم الترابي المتعاقبة، والتي أسست، وعمقت، من مضمون التعبير اللامركزي لمؤسسة الجماعة بالمغرب. فبموجبها شهدت هذه الأخيرة، تطورات عميقة، همت وظائفها وصلاحياتها، انتقلت معها من مجرد إطار ترابي لتقديم الخدمات الإدارية، إلى هيئة لامركزية، تتحمل مسؤولية الارتقاء بالوضع التنموي لمجال نفوذها الترابي (...) 

القسم الأول : التدبير الجماعي وآليات التدخل التنموي

   من أهم الإصلاحات التي جاءت بها قوانين التنظيم الجماعي المتعاقبة بالمغرب، منذ سنة 1976 وإلى غاية 2015، هي التأكيد على الأساس الترابي للتنمية، واعتبار الجماعة الخلية الأساسية لها. إذ لم تعد الإدارة المركزية، تحتكر تنفيذ برامج التنمية على الصعيد المحلي، وما يرتبط بذلك من تجاهل للوضع الترابي الناتج عن عدم الإلمام الكافي بالحاجيات الحقيقية للساكنة المحلية. بل تغيرت النظرة، وأصبحت الجماعات تتوفر، بدورها، على عدة آليات للتدخل التموي؛ كالتخطيط للتنمية وإعداد التراب، وتدبير المرافق الاقتصادية، وتمويل مشاريع البنيات التحتية، ودعم قطاعات التنمية الاجتماعية، وإبرام اتفاقيات الشراكة والتعاون الترابي. وهو ما جعل الهيئات اللامركزية المذكورة، تكتسي أهمية حيوية في الاستجابة للحاجيات التنموية الفعلية والحقيقية للساكنة المحلية.

   ولما كانت المهام التنموية للجماعات، لن تتجسد على المستوى المحلي، بالفعالية المطلوبة، من دون توفرها على الوسائل القانونية المناسبة، فقد عمل المشرع على مدها بعدة آليات للتدخل. وتتميز هذه الأخيرة، بكونها وسائل تنفيذ الصلاحيات التنموية. ويتم التمييز ضمنها، بين آليات التدخل التنموي العمودي (الفصل الأول)، وآليات التدخل التنموي الأفقي (الفصل الثاني).

القسم الثاني : التدبير الجماعي للتنمية: الإكراهات
ومتطلبات التأهيل

   إن التطور الذي مس التوجه اللامركزي بالمغرب، عبر السنين، جعل من الجماعات عنصرا أساسيا في استراتيجية التنمية الترابية، إلى جانب المستويات الترابية الأخرى.

   فقد منح لها المشرع، اختصاصات ومسؤوليات جديدة، بحيث لم تعد تتولى المهام التقليدية المرتبطة بالتسيير الإداري والمالي، بقدر ما أصبحت مهامها أكثر ارتباطا بأهداف تنمية التراب المحلي، غير أن قيامها بهذه المهام، بالفعالية والنجاعة اللازمتين، يصطدم بعدة إكراهات ذاتية وموضوعية (الفصل الأول). وهو الأمر الذي أضحى يتطلب تبني مقاربة أكثر فاعلية، تساهم في التجسيد الفعلي للمهام التنموية الملقاة على عاتق الجماعات ( الفصل الثاني).


المصدر اطروحة التدبير الجماعي وإشكالية التدخل التنموي للباحث عبد الله كواعروس تحت اشراف الدكتور المهدي الفحصي 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -