القانون الجنائي وسؤال الهوية المغربية

جديد

القانون الجنائي وسؤال الهوية المغربية

القانون الجنائي وسؤال الهوية المغربية عزيز بنزيان
العنوان    القانون الجنائي وسؤال الهوية المغربية   
إعداد الباحث عزيز بنزيان   
نوع المرجع   مقال  
عدد الصفحات08 ص
حجم الملف1MO
نوع الملفPDF
روابط التحميلmediafire أو google drive

مقدمة

   إن القانون الجنائي يعبر عن ردود أفعال المجتمع والتي ينبذها ويضطرب آنذاك عند الخروج على نمط معين، فاستمرارية مجتمع ما قائمة على تنظيم نسقه وضبطه، ولن يتأتى ذلك إلا بتواجد قواعد زجرية تستجيب لمختلف متطلبات المجتمع وتعبر عنها بقوانين وتنفذها مؤسسات مختصة في تنظيم رد الفعل الاجتماعي وضمان الشرعية ولتجاوز حقبة العدالة الخاصة والفوضى.

   فالقانون الجنائي له دلالات متعددة منها ما هو اجتماعي والآخر قانوني، فالأول يزكي دور المجتمع في خلق القواعد القانونية وبها يحميه من كل اضطراب ويضمن استمراره في ظل مناخ سليم، والثاني تعبير عن إرادة المشرع في الاستجابة للمجتمع وزجر كل فعل أو امتناع بمقتضى نص تشرعي يضفي الصفة الشرعية على الأساليب الزجرية في ظل الدولة السياسية الحديثة.

   وتتميز الدول بقوانين جنائية خاصة تجرم مجموعة من الأفعال وتضمن بذلك قاعدة الشرعية الجنائية، التي يمكننا أن ننظر إليها من خلال زاويتين، إحداهما تتمثل في “الشرعية الموضوعية” أي لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، والأخرى تتجلى في “الشرعية الإجرائية” أي لا محاكمة بدون إجراءات ولا إجراء من غير قاعدة، ولا إجراء من غير أجهزة رسمية، فجل هذه القواعد السائدة في الأنظمة الحالية تمثل أسلوب الدولة في عقلنة شرعية العقاب إلا أن قواعدها قد تختلف من إقليم لآخر وهذا ما يميز المجتمعات عن بعضها البعض.

   فالمغرب بدوره استجاب لمختلف ردود أفعال المجتمع، حيث تجلى ذلك في صدور القانون الجنائي عام 1962م، والذي حقق طفرة نوعية في حقبة زمنية معينة، وتلته مجموعة من التعديلات وصدور القوانين الخاصة، وبعض المحاولات التي تهم مواكبة التطور الحاصل في الجريمة، هذا بالموازاة مع احترام الشرعة الدولية بناء على الدور الهام الذي يلعبه المغرب من خلال دبلوماسيته الرشيدة في غضون عقود من الزمن.

   فمن خلال دراستنا هذه سنعمل على تحديد العلاقة الوظيفية للقانون الجنائي والهوية، ونأخذ نموذج المغرب بحضاراته وتاريخه العريق الذي خلف قيماً وثقافة وكان له أثر على مجتمعات أخرى، فمعيار تحديد هوية مجتمع ما تجعلنا نستنبط القواعد الزجرية التي تعبر عن هذا الكيان المجتمعي، ومدى تأثير خصوصيته في صناعة القواعد القانونية. الأمر الذي يجهلنا نتساءل عن تجليات الهوية المغربية في القانون الجنائي؟

   وهو ما يتطلب منا التعريف بالحضارة المغربية ابتداءً، ثم البحث عن أنماط التجريم التي يتبناها المشرع الجنائي المغربي، ومدى حمايته للهوية التي هي نتاج هذه الحضارة العريقة.

المحور الأول : الحضارات المغربية ودورها في صناعة الهوية

   لقد عرف المغرب تعاقب عدة حضارات تبين ذلك من خلال المواقع الأثرية والاكتشافات التي تدل على طرق العيش آنذاك وتحيل على نهج الحضارة وثقافتها، الأمر الذي يدعونا إلى التدرج ابتداءً من فترة ما قبل التاريخ، التي تميزت بتعاقب حضارة العصر الحجري القديم ثم الأوسط وكذا الأعلى وصولا للعصر الحجري الحديث وعصر المعادن. وبعدها ظهرت فترة العصر الكلاسيكي الذي ضم كل من الفترة الفينيقية والبونيقية والموريتانية ثم الرومانية.

   وبعد ذلك ظهرت حضارات إسلامية حديثة وعريقة ساهمت بشكل كبير على تكوين الهوية المغربية الحالية، انطلاقاً من الدولة الإدريسية حيث استغرق الفتح نصف قرن من ­{646م إلى 710م}، وظهرت أول دولة إسلامية سمية بدولة الأدارسة عام 788م لمؤسسها مولاي ادريس ابن عبد الله. لتظهر بعد ذلك دولة المرابطين في القرن السادس عشر ميلادي، حيث استطاع عبد الله بن ياسين وهو أحد المصلحين الدينيين أن يوحد هذه القبيلة وينظمها وفق مبادئ دينية متخذاً اسم المرابطين لحركته، وبهذا استطاع المرابطون إلى فرض أنفسهم كقوة فاعلة وتمكنوا من إنشاء دولته وعاصمتها مراكش التي تم تأسيسها عام 1069م وفي هذه الفترة بسط المرابطون سلطتهم على مجمل شمال إفريقيا وكذا الأندلس عام 1086م.

   وفي بداية القرن 12م تعاظم بالمغرب شأن المصلح الديني والثأر السياسي المهدي بن تومرت، وسمى أتباعه بالموحدين للإطاحة بدولة المرابطين، وتحت قيادة عبد المؤمن بن علي استطاع الموحدون من السيطرة على المغرب الأقصى كله بحلول عام 1147م ليتمكن من بسط نفوذه على شمال إفريقيا كلها والأندلس مؤسسا أكبر إمبراطورية بغرب المتوسط. ليظهر بعد ذلك المرينيون بالتخوم الشرقية بالمغرب، ليشكلوا قوة عسكرية وسياسية مكنتهم من الإطاحة بدولة الموحدين عام 1269م، ولم يستطيعوا خلال فترة حكمهم الحفاظ على الإرث الكبير الذي خلفه الموحدون الأمر الذي خلف انقسام المغرب إلى مملكتين {مملكة فاس ومراكش}، وسقوط مجموعة من المدن في يد المحتل الإيبيري كسبتة والقصر الصغير وأصيلا وطنجة ومليلية.

   ثم انطلقت حركة السعديين من جنوب المغرب “مناطق درعة” وتجلى ذلك في مقاومة المحتل الإيبيري للمدن الساحلية، وأضحوا قوة عسكرية وسياسية تمكنت من فرض نفسها، الأمر الذي ساعد في بروز دولة السعديين، وحينها كان للسعديين انتصار على البرتغال في معركة “واد المخازن” عام 1578م. وبعدها خلف السعديون نزاع سياسي دام 60 عاماً انقسم أثناءها المغرب الأقصى إلى كيانات سياسية جهوية ذات طابع ديني، وانطلاقا من عام 1664م ظهر الشريف مولاي رشيد بتافيلالت وانطلق في حملة عسكرية هدفها توحيد البلاد وتأسيس سلطة مركزية قوية، وقد استمر عهد السلطان المولى إسماعيل 50 عاما ليتمكن خلالها من بناء نظام سياسي للدولة. لتتوالى السلاطين العلويين على الحكم في مواجهة أزمات متعددة كان أبرزها فرض الحماية الفرنسية على المغرب عام 1912، ليستعيد المغرب استقلاله بعد تضحيات العرش والشعب عام 1956م.

   وبهذا نكون عرضنا لأهم المحطات التي ساهمت في بناء الهوية المغربية، مع إبراز ولو بشكل مقتضب مختلف الحقب التاريخية والحضارية للأمة المغربية، وبسط كيانها اللامادي المتمثل في الثقافة والفن والسياسة الرشيدة للسلاطين والقيم الخالصة المتجذرة في الذاكرة. وهذه الأخيرة ساهمت في بناء العقل المغربي سواء نظرنا إليه من زاوية الفكر الفردي أو الجمعي.

   فالثقافة نتاج إنساني، فكري، نظري وعلمي، وهي البيئة التي أنشأها الإنسان من المنتجات المادية وغير المادية التي تنتقل من جيل لآخر. والقيم الاجتماعية في جوهرها تمثل أحد الأركان الأساسية لثقافة المجتمع والتي تشير إلى مجموعة المعتقدات والأحكام والمبادئ التي يتمثلها ويلتزم بها الإنسان، والتي تتكون من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات الفردية والاجتماعية وُتفصح عن نفسها من حيث الاهتمامات والسلوك العمَلي أو اللفظي.

   فموضوع دراستها يثير جدلية مفادها تساؤل حول الهوية المغربية في مثن القانون الجنائي، وكان من اللازم سرد مسار الحضارات المتعاقبة وإعطائها حيزاً من الكتابة لتقريب صورة الهوية كمفهوم ونتاج الذاكرة المغربية التي تظل ملازمة لهذا الكيان المغربي في مختلف مناحي الحياة، والتي لها وقع على جل المجالات والإستراتيجيات وقومية هذه الأمة العريقة.

   وما يحدث في عالمنا اليوم نجد أنه يمر بمرحلة جديدة، وهي مرحلة ما بعد الحداثة، التي من أبرز معالمها ظاهرة العولمة، وما رافقها من تطور هائل في المجال المعرفي والمعلوماتي، حيث أصبحنا نتحدث اليوم عن عولمة القيم وحتى مجالات أخرى كان للعولة تأثير عليها كظاهرة عولة القانون.

   على الرغم من تأثير الحضارات وصدامها بواسطة التطور الحاصل والقرية الكونية التي أضحت نتاج التكنولوجيا ووسائل الاتصال، مما يترك أثر في حضارتنا المغربية، وتكون هناك مدخلات على القيم من خلال تأثير مجتمعات أخرى وحضارات أخرى بطبيعة تنوعها، حيث يصعب اليوم ضبط تلك المدخلات من القيم مما يحتاج رؤية متبصرة لتحقيق هذا الضبط.

   فالإنسان المغربي نتيجة تفاعلات مضت وتركت أثر بليغاً وهي السبب الأساس وراء بناء عقله وسلوكه داخل المجتمع بخصوصياته وصفاته التي ينفرد بها عن غيره من المجتمعات، الأمر الذي يدعو إلى استجابة مختلف الفاعلون في الحقل السياسي والاجتماعي والاقتصادي لهذا الكيان وتنظيم سلوكه والدفاع عن قيمه السائدة والثوابت المتفق عنها.

   إذ أن القوانين بدورها تميزت بخصوصية المجتمع بوصفه قوة مؤثرة في صناعة القواعد القانونية بمختلف المجالات، وهذا ما يتبين من خلال نهج المشرع المغربي في الوصول إلى الهندسة التشريعية الملائمة لضبط النسق الطبيعي لهذا المجتمع وحمايته من الاضطراب.

   فإذا تمكنا من التدرج في الحديث حول ماهية الحضارات المتعاقبة وتحديد مكونات الكيان المغربي باقتضاب، والدور الهام للفاعلين في مختلف الميادين لبلورة الجانب اللامادي “الهوية” إلى سياسات واقعية تساهم في ضبط إيقاع النسق الاجتماعي وحمايته من الاضطراب، فماهي أبرز تجليات ومظاهر الهوية المغربية في التشريع الجنائي المغربي؟

المحور الثاني : مظاهر الهوية المغربية في التشريع الجنائي المغربي

   إن موضوع الهوية من الموضوعات الهامة والحساسة، لكونها تمس بثقافة المجتمع وحضارته، كما يمكن بواسطتها فهم المجتمع، وهذا ما أكسبه الأهمية البالغة بين مختلف العلوم السوسيولوجية والقانونية. حيث أن موضوع القيم يعد ضرورة على المستويين الفردي والاجتماعي، إذ أنه على مستوى الأفراد نجد المرء على اختلاف المراحل التي يمر بها، في حاجة ماسة في تعامله مع المواقف إلى نسق من القيم تعمل بمثابة موجهات لسلوكه، وبديهي أنه إذا غابت مثل هذه القيم الاجتماعية أو تضاربت فإنه يغترب عن ذاته وعن مجتمعه.

   أما على المستوى الجماعي فيمكن القول أن أي تنظيم بحاجة إلى نسق قيمي يشبه الأنساق القيمية لدى الأفراد، يضمن أهدافه ومثله العليا ومبادئه الثابتة المستقرة التي تحفظ له تماسكه وثباته اللازمين لممارسة حياة اجتماعية طبيعية.

    ودراسة القيم الاجتماعية مطلب لا محيد عنه، خصوصاً في ظل هذا التقدم العلمي والتكنولوجي، الذي يعد من أهم سمات هذا العصر، باعتباره أسهم بكيفية أو بأخرى في التأثير على مختلف مكونات الحياة الإنسانية من أفكار وقيم اجتماعية وعادات وتقاليد.

   فالثقافة هي نتاج المجتمع وحضارته على مر العصور والأزمنة، بما فيها عقائد وعادات وقيم وسلوك بشري، وما خلفته الأجيال السابقة في المجتمع من عمران وعلوم وآداب وفنون، وهي تتكلم عن نفسها من خلال الممارسة والأدوات التي يستعملها الإنسان، وبناء مساكنه وأساليب حياته وممارساته العقائدية والاجتماعية، أي أنها تفصح عن ذاتها من خلال كل السلوكيات الإنسانية.

   فهناك اتصال وثيق بين القيم والحضارة المجتمعية، فإذا قاربنا المجتمع المغربي في الموضوع نجده غني بالقيم والتقاليد والثقافات التي بنيت على مر عصور وحضارات عريقة، تميزت بتعددها الثقافي والقيمي وطابع الدين الإسلامي الذي خلف أثر بليغاً في أحضان هذا الكيان الرائد.

  فتعاقب التجارب في مختلف الميادين، خلف علماء ومنظّرين أشاوس تأثر بهم الشرق والغرب، حيث أن نتاج كل هذه التفاعلات يتجسد في مكونات المجتمع المغربي بمختلف أطيافه. إذ أن هذا المنتوج الحضري كان مؤثر في مختلف القطاعات، والتي من خلال برنامج عملها يجب أن تراعي في ذلك خصوصية النمط الاجتماعي المغربي.

   فالقيم لها دور مهم في تحقيق التماسك الاجتماعي، وضبط سلوكيات الأفراد في معاملاتهم التي تبنى على قيم إنسانية أخلاقية متضامنة، لتحقيق الانسجام في النسق الاجتماعي، فالقيمة تحتاج عقود من الزمن لتستقر وتؤتي أُكلها بين تصرفات الأفراد وتطبع على نفوسهم مما يميزهم عن باقي المجتمعات.

   فجدلية الانسلاخ من القيم أو التراث التي دعا لها مجموعة من النخب الفكرية، كانت لها وقع على التماسك الاجتماعي حقيقة، حيث أنه أصبحت هناك حرب على الذاكرة، وكما يقول المفكر المهدي المنجرة لنماء ورقي المجتمع يجب دراسة الماضي والتحرر في الحاضر والتفكير في المستقبل، هذه خطى ثابتة يصعب التخلي على إحداها دون الأخرى.


فالمطلب يتجلى في الذاكرة التي تشخص طبيعة المجتمع وحضارته، فمن اللازم الحفاظ عليها مع مواكبة الحداثة من منظور مغربي، ولا نترك التراث جانبا كأنه سبب في دُنوّ المجتمع، بل نتاج الذاكرة يصبو إلى بناء صرخ عظيم ترتقي به الأمة وتسمو بحضارتها.

   فالمشرع الجنائي له دور أساسي في حماية هذه المنظومة القيمية، والمساهمة في تقوية مركزها، ودعمها بتقويم السلوك المنحرف على تلك القيم المجتمعية، فالتشريع الجنائي المغربي ساهم بدوره في الحفاظ على مجموعة من القيم المغربية، وتجريم كل فعل يحدث اضطراباً فيها، وسنأتي إلى ذلك بالتفصيل والإفصاح عن رؤية المشرع لهذه القيم وكيف يدعم مركزها الاجتماعي.

  فعلاقة التشريع الجنائي والقيم علاقة وظيفية، تؤسس لضبط مسار النسق القيمي في المجتمع، والحفاظ على خصوصيته من خلال الاستجابة لردود أفعال المجتمع عبر قواعد قانونية تُسهم في النماء الاجتماعي والشعور بالأمن القيمي. فهذا الأخير شعور بالانتماء لدى الأفراد وارتباطهم الوثيق بنتاج الحضارات وضرورة الالتزام بها كمكون أساس للكيان المجتمعي.

   فإذا استقرأنا النصوص التشريعية في القانون الجنائي، نجده يجرم مجموعة من الأفعال المخلّة بالنمط الاجتماعي وقيمه وخصوصيته، ويمكن إجمالها في “الإفطار العلني في نهار رمضان، والسكر العلني، والعلاقات الجنسية الخارجة عن نطاق الزوجية وغيرها… “، ونلاحظ أن المشرع الجنائي استدرك جريمة ازدراء الأديان كما سبق الإشارة إليها سابقا في مسودة مشروع القانون الجنائي رقم 10.16.

   فالقيمة لها دور في إنشاء القاعدة الجنائية، حيث أن قوتها وثبوتها في المجتمع له تأثير كبير في رؤية المشرع ومدى اهتمامه بهذه القيمة، لكي يمنع الانحلال القيمي والاضطراب الاجتماعي الذي يقع من المخالفين لنمط المجتمع وخصوصيته، حيث أنه يلزم المشرع تحديد الأنساق القيمية ومحاولة مراقبة متغيراتها ودعمها بالقواعد القانونية لمحاربة الانسلاخ من القيم.

   وهناك دراسات عديدة تؤكد أن الدولة بمختلف قطاعاتها يجب أن تراعي القيم التي نشأ عليها المجتمع، وفي حالة تذبذب إحداها وجب التدخل لتقويمها، بعيدا عن الزجر نجد فكرة دعم القيمة والمساهمة في تكريسها، عبر مختلف السياسات، ونذكر على سبيل المثال تدخل المناهج التعليمية لترسيخها في برامج التربية والتعليم، وكذا الانتاجات السنيمائية، ومنتجو الألعاب لتزكية القيم وتقوية مركزها.

   فندعو بدورنا إلى اعتماد مرصد وطني للقيم، يرصد القيم في المجتمع المغربي ويواكب التطورات التي تطرأ عليها، ويجسد ذلك في مبيانات تظهر المتغيرات ليسهل تبني السياسات في مختلف القطاعات، لأن الفشل الحال في تلك السياسات العمومية هو عدم الارتباط بالمجال القيمي للبيئة الاجتماعية.

   فالحضارة المغربية غنية بالثقافات والتقاليد والتي تميزها عن غيرها، مما يجيز دراسة الذاكرة واستنباط أهم مكونات المجتمع، فعندها يسهل الضبط وتقويم الاعوجاج. وهنا يأتي الدور المهم للمشرع الجنائي ليرسم الخطوط العريضة عبر القواعد القانونية للمحافظة على طبيعة المجتمع ومميزاته.

   فإذا استنبطنا معايير تكوين التشريع الجنائي عموما نجده يقف لتجريم سلوكيات مرتبطة بعنصرين أساسيين، الرضا وانعدامه، فهذه مرجعية محورية لتكوين القانون الجنائي، حيث أنه من الطبيعي الاستجابة لردود فعل المجتمع عند انعدام الرضا، والتدخل لحماية الأفراد في حالة وجود إكراهات مادية أو معنوية لانتزاع حقه، أما ما يميز التشريع هو تدخل المشرع عند وجود الرضا لدى الأفراد أطراف الخصومة الجنائية، هنا يكون التدخل لحماية القيم الاجتماعية وخصوصية النمط الاجتماعي.

   وإن أهم معطى يمكن الحديث عنه هو استجابة المشرع الجنائي في نصوصه للدفاع عن القيم الإسلامية المغربية، إذ نجده ينص في الفصل 267.5 على أنه “يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من 20.000 إلى 200.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أساء إلى الدين الإسلامي أو النظام الملكي أو حرض ضد الوحدة الترابية للمملكة…”، وترفع العقوبة إلى تأديبية إذا كانت الإساءة تلك ارتكبت بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن والتجمعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة البيع أو التوزيع أو بواسطة كل وسيلة تحقق شرط العلنية بما فيها الوسائل الالكترونية والورقية والسمعية والبصرية.

   وبناءً على ذلك نجد المشرع حقق الملاءمة بين خصوصية المجتمع ونمط التشريع في هذه المرحلة، حيث أنه يجرم كل من يسيء إلى الدين الإسلامي بشتى الطرق المعبر عنها، وهذا معيار تزكية للقيم الإسلامية والدفاع عليها، وفي الوقت ذاته يساهم في كبح جماح الأفراد واطمئنانهم الروحي، فلا يمكن لغيور عن الدين الإسلامي أن يتدخل للدفاع عنه بمحض إرادته، لأن المشرع استجاب لرد فعله الاجتماعي، الأمر الذي يحقق الشعور بالعدالة لدى المواطنين المغاربة.

   وكان هذا أبرز مثال عن تمثيل المشرع المغربي للقيم الإسلامية المغربية، ويحفظ بها خصوصية المجتمع ويتجنب الاضطراب الروحي للأفراد، بما يضمن الانسجام بين القانون والواقع، لأن القيم الإسلامية تجذرت بقرون وعبر تعاقب حضارات مضت. فالحفاظ على الهوية المغربية من أهم سمات ضمان الأمن القومي للوطن، وإبعاده عن المؤثرات الأجنبية وفق مقاربة التعايش والانسجام مع مختلف الديانات.

خاتمة:

   وفي مخرجات دراستنا حول موقع الهوية المغربية في التشريع الجنائي وبناءً على النموذج المعتمد في منهجنا التحليلي، يظهر أن بعض الجرائم التي اعتمدها المشرع المغربي متدخلا عند وجود الرضا وانعدامه، حيث وكما أشرنا  أنه من المسلمات تدخل المشرع الجنائي لزجر كل فعل يلحق ضررا للأفراد في ذاتهم أو أموالهم بدون رضاهم، ولكن عند تواجد عنصر الرضا كالعلاقات الجنسية الرضائية نجد الدور المهم لخصوصية القيم المغربية في تقرير مصير القواعد الحامية للنمط الاجتماعي، فإذا كان أطراف الخصومة راضون عن أفعالهم إلا أن المجتمع لن يقبل هذه التصرفات، ويتدخل آنذاك المشرع ويجرم هذه الأفعال استجابة لرد الفعل الاجتماعي وضبط سلوكيات الجانحين.

   وهنا يظهر الدور المحوي للهوية والقيم في صناعة القواعد الجنائية، فإذا اتسعت دائرة التجريم عند وجود رضا الأطراف نعلم يقينا أن المشرع يحفظ خصوصية المجتمع ويساهم بدوره في تحقيق الضبط القيمي له. فالقوة التأثيرية للهوية والقيم المجتمعية تمتد إلى مختلف القطاعات بما فيها المؤسسة التشريعية والقضائية والتنفيذية.

   والمشرع في محاولته لتشكيل نمط تجريمي يلزمه تجسيد القيم وتقوية مركزها ودعمها بقوة القاعدة القانونية، فإذا ما قاربنا الموضوع من زاوية النموذج التنموي الجديد، نجده يكرس الدور الأساسي للقيم والثقافة المغربية في اعتماد مجمل الخطط والبرامج.

   فالمجتمع المغربي له سمات وخصائص إذا لم نعتمد عليها ستكون المقاربة غير ملائمة، وهذا ما نجده من إشكالات في التشريعات وخصوصا الجنائي منها، فالقيم لم تأتي بالصدفة بل استقرت عبر عقود وقرون مضت، حيث تعاقبت الحضارات والثقافات والدين الإسلامي الذي خلف أثر في وجدان الأفراد داخل المجتمع.

   فكما لاحظنا أن دائرة التجريم عند وجود الرضا تُميز المجتمعات عن بعضها، فكلها ارتفع منسوب التجريم وتدخل المشرع الجنائي رغم توافق إرادة الأفراد كان للقيم دور في هذا النهج التشريعي، حيث أن المشرع يجب أن يستحضر القيم كمكون من مكونات المجتمع، ويستجيب لردود أفعاله لحمايته من الاضطراب والخلل في النظام.

   هذا بالموازاة مع المناهج التربوية والتعليمية، والسياسات العمومية في مختلف القطاعات التي يجب أن تستند لنظام القيم وخصوصية المجتمع المغربي ونتاج حضاراته وثقافاته، في البرامج والمشاريع التي يتخذها كل قطاع، مما يؤول لتنزيلها على واقع وبيئة سليمة، وتجاوز المعيقات وسبل التنزيل.

   الأمر الذي يدعو إلى تجويد الترسانة التشريعية وبناء صرخ تشريعي يمثل حقيقة المجتمع المغربي، ويشعر آنذاك بالانتماء وتمثيلية المؤسسات، ويساهم ذلك في ارتفاع منسوب ثقة المواطن في المؤسسة، حيث أن معيار الهوية محدد لتوجهات المشرع. فكما هو معلوم أن المشرع ابن بار لبيئته وهذا هو الحل الملائم للخروج من تذبذبات الأنساق الاجتماعية.


مقال القانون الجنائي وسؤال الهوية المغربية إعداد الباحث عزيز بنزيان خريج ماستر العلوم الجنائية وباحث بسلك الدكتوراة. 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -