التعويض عن الخطأ القضائي في التشريع المغربي

جديد

التعويض عن الخطأ القضائي في التشريع المغربي

التعويض عن الخطأ القضائي في التشريع المغربي
العنوان    التعويض عن الخطأ القضائي في التشريع المغربي   
انجاز الطالبة      سكينة الرحماني
تحت اشراف الدكتور    عبد الحق عزوزي
نوع المرجع   رسالة 
السنة الجامعية     2020/2019
عدد الصفحات75 ص
حجم الملف1MO
نوع الملفPDF
روابط التحميلmediafire أو google drive
التعويض عن الخطأ القضائي في التشريع المغربي

مقدمة

يقوم القضاء بأداء رسالة سامية تتمثل في الفصل في المنازعات بين الناس ومن هذا المنطلق تكرست المكانة المتميزة للقضاء، باعتباره حامي الحقوق والحريات، وتم الارتقاء به ليصبح سلطة مستقلة، كما أحاط المشرع هيئة القضاء بسياج من الضمانات التي تكفل لهم تحقيق أكبر قدر من الاستقلال والاطمئنان بما يكفل نزاهتهم وحيادهم وحسن تكوينهم. "التعويض عن الخطأ القضائي في التشريع المغربي". 

ويرتكز النظام القضائي بالمغرب والدول المماثلة على تعدد درجات التقاضي، فكل قضاء فوقه قضاء وعلى خلفية الافتراض بضرورة وقوع الخطأ القضائي شرعت طرق الطعن العادية وغير العادية، إلا أن هذه الطرق جميعها لا تؤدي إلى إعدام العلة التي تلازم طبيعة عمل القضاة الذين لا يحكمون بعلمهم وإنما تعرض عليهم أحداث ونوازل عبر وسائل قد تكون سليمة وقد لا تكون كذلك بجرة قلم، وبعد جلسات قد تطول أو تقصر يصدر حكم بالإعدام أو بالمؤبد في حق شخص بريء، فإذا بالحكم الذي قصد به المشرع أن يكون عنوانا للحقيقة وترجمانا للعدل يصبح جانيا على الأبرياء.

وبالتالي يظل الحكم القضائي مهما علا شأن مصدره عملا بشريا، ومن طبيعة البشر الخطأ والنسيان، بيد أن أخطاء العدالة ليست كسائر الأخطاء، وغالبا ما تؤدي إلى إحداث أضرار بالغة بالأفراد، تفوق الأضرار التي قد تسببها باقي مؤسسات الدولة، لأن الخطأ صادر عن مؤسسة تملك بين يديها مصائر الناس وأعراضهم وحرياتهم وحقوقهم، فليس أبلغ خطورة من خطأ، قد تصل أثاره إلى حد تنفيذ حكم بالإعدام على شخص بريء، وليس أقصى على النفس وأكثر خدلانا من صدوره عن مؤسسة تفترض فيها القدسية والنزاهة والعدالة أكثر من باقي المؤسسات. مادامت أنها هي المنوطة بتحقيق العدل وإعلاء راية الحق في الدولة، مما يستتبعه فقدان الثقة في نجاعة القضاء ونبل رسالته ويختل تبعا لذلك الأمن القضائي، فحصول الأخطاء هو نتيجة لعمل القاضي الذي قد يشوبه الخطأ أو الإهمال أو سوء الفهم مما يوجب مساءلته.

وتكيف المسؤولية عن الخطأ القضائي على أنها المسؤولية الرامية إلى اقتضاء التعويض عن الأضرار التي قد يتسبب في نشوءها مرفق القضاء، والاعتراف بشرعية التعويض عن الأضرار الناشئة عنها يعتبر إحدى مظاهر التطور الذي شهدته المسؤولية العامة حيث تم إقرار هذا الحق مؤخرا في دستور 2011 في فصله 122 على أنه : "يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة". هذا النص لا يميز بين الخطأ الخفيف والخطأ الجسيم وبالتالي كلما أدى الخطأ القضائي إلى إحداث ضرر للمتقاضي مهما قل أو كثر إلا وفتح المجال أمامه من أجل مطالبة الدولة بالتعويض.

تعريف الموضوع :

عرف المشرع المغربي الخطأ في الفصل 78 من قانون الإلتزامات والعقود بأنه :"ترك ما يجب فعله أو فعل ما يجب الإمساك عنه وذلك من غير قصد لإحداث الضرر، فالخطأ هو الإخلال بالالتزامات والواجبات القانونية وينتج عن إتيانها وارتكابها المسؤولية المدنية أو الجنائية والإدارية". 

ويمكن القول أن الخطأ القضائي هو ذلك الفعل أو الامتناع الصادر عن السلط القضائية فهو يشمل كل القرارات المشوبة بخطأ والصادرة عن المحاكم عندما تصبح هذه القرارات غير قابلة للطعن العادي وبهذا لا يتعلق الخطأ القضائي بالقرارات التي يكون هناك مجال لإمكانية استئنافها.

وبهذا يعتبر الخطأ القضائي موضوعا حساسا عرف نقاشا فقهيا وقضائيا، فكان له صدى واسع من حيث الاساس القانوني المعتمد في إثارة مسؤولية الدولة عن الأخطاء التي يتسبب فيها القضاء والتي هي في الغالب تعد أخطاء غير عمدية، تستحق تعويض المتضرر منها.

ويعرف التعويض بأنه : "جبر الضرر الناتج عن الخطأ"، فالحق في التعويض هو الحق في الحصول على ما يجبر الضرر الذي تعرض له الفرد، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية لخطأ المسؤول، فلا يكفي لقيام المسؤولية وقوع الخطأ، بل لابد أن يترتب عن الخطأ ضرر، وإلا انتفت مصلحة المدعي في ممارسة دعوى المسؤولية.

فالتعويض بهذا المعنى يجد مصدره في قواعد القانون المدني من خلالها يلزم كل شخص بإصلاح الأضرار المترتبة عن سلوكياته، إذ أن التعويض في وقتنا الراهن لم يعد إشباعا لغزيرة الانتقام، وإنما هو محض إصلاح الآثار الضارة للفعل، ويفترض أن يجبر الضرر اللاحق بالمضرور كمدعى .

فالضرر إذن ركن أساسي لقيام المسؤولية الموجبة للتعويض وهو الذي يبرر مصلحة المتضرر من الخطأ القضائي في اللجوء إلى مسطرة المطالبة برفعه.

الإطار التاريخي للموضوع :

ويتم استقراء التطور التاريخي لحق الإنسان في التعويض عما لحق به من ضرر نتيجة خطأ قضائي، عن كون هذا الخطأ عموما قد حظي بنصيبه من الاهتمام من طرف الديانات السماوية والتشريعات الوضعية على حد سواء.

وهكذا على مستوى الدين الإسلامي الحنيف، أشار القرآن الكريم إلى الخطأ القضائي في الآية الكريمة من سورة النساء التي ورد فيها :( ومن يكتسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ).

كما وجد صدى له من جهة آثار الصحابة، حيث ورد في رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري بخصوص القضاء ما يلي :"ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل"، ومن جهة ثانية في إسناد مهمة أداء التعويض عن أخطاء القضاء لمستحقيه إلى بيت مال المسلمين أما على صعيد التشريعات الوضعية، فقد برزت فكرة التعويض جبرا للضرر الناتج عن الخطأ، في القاعدة التي وضعها فقهاء القانون الفرنسي القديم الذي توجب التعويض عن كل خطأ أحدث ضررا بالغير، ففي فرنسا بزغ فجر التعويض عن الأخطاء القضائية في عصر التنوير الذي شهد تغيير في مفهوم الدولة والسلطة والعدالة، وتعتبر حملة "فولتير" لإعادة اعتبار "كالاس" وعائلته البداية الحقيقية للتصدي للخطأ القضائي والتعويض عنه.

وعلى إثر توالي حالات الخطأ القضائي في المجال الجنائي، تدخل المشرع الفرنسي لأول مرة بموجب قانون 8 يونيو 1895، والذي أعطى للأفراد الذين حكم ببراءتهم نتيجة التماس إعادة النظر، الحق في الحصول على تعويض عن الأضرار التي أصابتهم جراء الحكم السابق بالإدانة .

وقد كان من الطبيعي أن يلقي هذا الموقف التشريعي الفرنسي الهام بظلاله على التشريعات الأوربية، والعربية من خلال تضمين نصوصها القانونية مبدأ التعويض عن الخطأ القضائي، ومن بين هذه التشريعات، التشريع المغربي الذي ظل على مدار عقود لاحقة متمسكا برفض مسؤولية الدولة عن التعويض عن الأخطاء القضائية وسايره في ذلك القضاء وجانب من الفقه، غير أنه خرج عن القاعدة استثناء لما أجاز التعويض عن الأخطاء الشخصية الواقعة من القضاة أثناء مباشرة وظائفهم القضائية في إطار نظام المخاصمة أو الأخطاء الواقعة نتيجة مراجعة الأحكام الجنائية النهائية وذلك بموجب قانون المسطرة الجنائية الصادر في 10 فبراير 1959 في الجزء المتعلق بالمراجعة وتحديدا في الفصل 3620، وكذا في القانون الحالي للمسطرة الجنائية الصادر 3 أكتوبر 2002 .

وقد عرف الخطأ القضائي بالمغرب اهتماما متزايدا إلى أن تم دسترته بموجب الفصل 122 من دستور سنة 2011، ويكون بالتالي من ضمن التشريعات المتقدمة في مجال التعويض عن الخطأ القضائي.

أهمية الموضوع :

بالنظر للأهمية التي يحظى بها الدستور في الدول الديمقراطية فقد حظيت الوثيقة الدستورية بالمغرب باهتمام كبير من قبل الفاعلين السياسيين والمدنيين وكذلك المواطنين ، ويرجع بطبيعة الحال هذا الإهتمام إلى الرغبة في تحقيق صياغة مشتركة لبنود الدستور الذي يعد اسمى وثيقة قانونية في الدولة .

ولعل أهمية موضوع التعويض عن الأخطاء القضائية، منبثقة أساسا عن حداثته وعن خصوصية المرفق، ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة إن على المستوى النظري وإن على المستوى العملي .

فالأهمية النظرية الذي يقدمها هذا الموضوع تتجلى أساسا في العديد من النقط من بينها :

أن استحداث نظام تعويض المتضرر من الخطأ القضائي بموجب نص دستوري، يعد خطوة راسخة وضمانة كبرى نحو كفالة دولة الحق والقانون، تضاف إلى الضمانات الكبرىا التي جاء بها دستور 2011 بشأن تكريس ضمانات المحاكمة العادلة.

كما أن التنصيص على حق التعويض عن الخطأ القضائي يؤكد النهج الحقوقي الذي انخرط فيه المغرب، ويترجم مدى حرصه على ملاءمة تشريعه الداخلي مع التشريعات الدولية والاتفاقيات العالمية التي صادق عليها.

أن التعويض عن أخطاء العدالة مكسب من شأنه الرقي بكرامة الإنسان، فالتعويض عن الأضرار التي تلحق الأفراد من أكثر أجهزة الدولة حصانة، تشعرهم بأن حقوقهم مصانة مما يزيد تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة والإحساس بالانتماء الوطني .

أما الأهمية العملية لهذا الموضوع فتتجلي أساسا من خلال ما سيحققه هذا المعطى الدستوري الجديد على أرض الممارسة، لاسيما أن الساحة القضائية تعج بحالات موشومة بالخطأ القضائي لطالما نادي الفقه بضرورة جبر أضرارها. كما أن حداثة التجربة في النظام المغربي جعلت من هذا الموضوع مرتعا لوابل من الشكايات القضائية سيما في غياب أي دليل من شأنه أن يميط احجبة الضبابية عن هذا المقتضى الدستوري .

الفصل الأول : إقرار الخطأ القضائي

شغل موضوع الخطأ القضائي بال الفقه وشراح القانون، ونال اهتمام التشريعات والقضاء، وكان ولايزال يثير جدلا كبيرا لدى مختلف هؤلاء بحكم طبيعته والخصوصيات التي تميزه لارتباطه بأحد أهم مرافق الدولة، ويتعلق الأمر بالسلطة القضائية التي أناطت بها معظم التشريعات مهمة الفصل في الخصومات ورد المظالم لأهلها، وتطبيق القانون على المنازعات المعروضة عليها.

وتقدير سمو هذه الرسالة الذي يضطلع بها القضاء، عملت الدساتير على إحاطة عمل القضاة بسياج من الضمانات ووضعت من الإجراءات ما يكفل عدم التسرع والوقوع في الخطأ، وسن طرق الطعن في مواجهة الأحكام الصادرة بشأنها حتى يكون الحكم الصادر عنوانا للحقيقة.

هذه الإجراءات لا تفيد بأي حال من الأحوال تفادي وقوع القضاة في الخطأ وهذا ما يشهد عليه واقع الممارسة العملية، فميزان العدل قد يختلف في الكثير من الأحيان سواء كان ذلك نتاج قصد من القاضي أو من دون قصد منه .

ومن المسلم به أن الحالات التي يرتكب فيها القضاة أخطاء هي حالات قليلة ومعزولة، بل واحيانا نادرة، إلا أن وقعها يبقى شديد على من كان ضحية لها لما قد ينتج عنها من أثار سواء تلك المتصلة بالمصالح المادية، أو تلك اللصيقة بالحرية الجسدية للأشخاص.

التشريعات المقارنة ومعها التشريع المغربي وعلى الرغم من تنظيمها لموضوع الخطأ القضائي وإقرارها لأحقية لمن تضرر منها الحصول على تعويض، فإنها لم توضح الأساس القانوني للمسؤولية عن هذه الأخطاء.

وعليه خصصنا هذا الشق للجانب النظري للموضوع مستحضرين الثالوث القانوني الإلمام بالجانب المفاهيمي لهذا الأخير، سواء من الناحية القانونية عن طريق استحضار نصوص قانونية، تهم كل من التشريع المغربي وكذا بعض التشريعات المقارنة.

والجانب الفقهي سواء الفقه المغربي أو المقارن، إضافة إلى الاجتهاد القضائي الذي يعتبر مصدر مهم للقانون عامة واجتهاد القضاة في مجالاتهم خاصة، ومنه ينبغي علينا وقبل التطرق لمعالجة أي إشكالية كيفما كانت لابد من رفع اللبس على بعض المصطلحات التي تهم الموضوع .

ومنه سنعالج في هذا الشق نقطتين أساسيتين الأولى تتعلق بماهية الخطأ القضائي قصد التوضيح (مبحث أول) ثم النقطة الثانية تتعلق بالتنظيم الوطني للتعويض عن هذه الأخطاء القضائية (مبحث ثاني).

الفصل الثاني : ضمان الحق في التعويض عن الخطأ القضائي

كان المبدأ السائد في السابق هو عدم مسؤولية الدولة عن أعمالها في مواجهة مواطنيها، وكانت سيادة الدولة مختلطة بسيادة المحاكم، ولم يتغير الوضع كثيرا عندما ظهر مبدأ سيادة الأمة مع قيام الثورة الفرنسية. إذ تحت شعار هذا المبدأ كانت الدولة غير مسؤولة على أساس أن مبدأ المسؤولية يتنافى مع سيادتها.

إلا أن هذا الإجحاف بحقوق الأفراد الذي يؤسس مبدأ عدم المسؤولية والمبالغة في مفهوم السيادة ما لبث أن يعمر طويلا حتى تم الانتصار للفرد المتضرر وأصبح من حقه المطالبة بتعويض عما يصيبه من ضرر نتيجة تصرفات الإدارة .

ويقصد بحق المتهم في التعويض في هذا المقام حقه في جبر ما يتخلف عن خرق إحدى دعامات حقه في المحاكمة العادلة من أضرار، فالمتهم قد يتعرض لبعض الأفعال الضارة إبان محاكمته، الأمر الذي يستوجب إقرار حقه في التعويض عنها .

لا جدال في أن الحق في التعويض عن الخطأ القضائي لا ينفصل عن منظومة حقوق الإنسان والتي بدأ الاهتمام بها- كما هو معلوم- من خلال إصدار جملة من الإعلانات على رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر 1948 والذي يعد أهم وثيقة دولية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ومنطلقا مرجعيا لأغلب الاتفاقيات الدولية المتعلقةبحقوق الإنسان. 

وقد عملت على تكريسه مجموعة من الدساتير العربية من ضمنها الدستور المغربي الجديد في فصله 122، هذا الفصل جاء استجابة لمطلب تعزيز الحماية القانونية والقضائية لحقوق الإنسان (مبحث أول). ثم إن الأمر يقتضي بيان الجهة القضائية المختصة للبث في طلبات التعويض الناتجة عن الأخطاء القضائية وكذلك الإجراءات اللازمة للمطالبة بهذا التعويض (مبحث ثاني).


رسالة التعويض عن الخطأ القضائي في التشريع المغربي إعداد الطالبة الباحثة سكينة الرحماني تحت اشراف الدكتور عبد الحق عزوزي. 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -