التعاقد بين الدولة والجماعات الترابية

جديد

التعاقد بين الدولة والجماعات الترابية

التعاقد بين الدولة والجماعات الترابية
العنوان     التعاقد بين الدولة والجماعات الترابية 
انجاز الطالبة      ربيعة أيت حمو
تحت اشراف الدكاترة   محمد العابدة
يونس أبلاغ
التصنيف   رسالة
السنة الجامعية     2022/2021
عدد الصفحات69 ص
حجم الملف1MO
نوع الملفPDF
روابط التحميلmediafire أو google drive

مقدمة

أضحت العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية ترتكز على المنظومة التعاقدية، فالأشخاص العامة تتوفر على مجموعة من الأساليب لأجل أداء المهام الموكولة لها، ويوجد من بين هذه الأساليب العقد.

يقصد بالتعاقد بين الدولة والجماعات الترابية، بأن هناك مسلسل تحول في علاقة معينة. فبعد أن كان العقد يجمع أطراف لا تجمع بينهم أي علاقة، وهي بالمناسبة هذه هي الوظيفة الأساسية للعقد في النظام القانوني بصفة عامة، أصبح العقد يدخل ضمن علاقات كلاسيكية ويحولها من علاقات رئاسية وعلاقات وصائية إلى علاقات عقدية.

ويعتبر العقد ألية كلاسيكية في القانون العام طالما أن العقود الإدارية هي من الممارسات الثابتة مند سنوات خلت ، حيث أن الجماعات الترابية قد مارست العقد خارج التأطير القانوني، حيث كانت هناك عقود للتدبير المفوض وعقود الإمتياز والإستغلال دون أن يكون لها إطار قانونيا خاصا بها، وإنما كانت هناك فقط مجموعة من القواعد المستلهمة أساسا من الإجتهاد القضائي الإداري، خاصة الفرنسي إلى أن جاء القانون رقم 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض". 

وفي مرحلة لاحقة تم التحول من مفهوم العقد إلى إتفاقيات التعاون والشراكة في إطار مجموعة من القوانين الخاص بالجماعات المحلية (حاليا الترابية)، لاسيما القانون رقم 78.00 بمثابة ميثاق يتعلق بالتنظيم الجماعي والقانون رقم 79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم، ثم أصبحت الوحدات الترابية في إطار هذه الإتفاقيات توسع في إستعمالها خارج الإطار القانوني، سواء مع الدولة، القطاع الخاص، الجمعيات ومع مجموعة من الفاعلين .

وفي إطار الممارسة العملية تبين خلال مرحلة معينة قبل صدور القوانين التنطيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، أن الجماعة تتدخل لتمويل ما لا يدخل في إختصاصاتها من خلال إتفاقيات التعاون والشراكة كالمتعلقة منها بتمويل إحداث المدارس الجماعاتية، علما أن قطاع التعليم من إختصاص الدولة.

ومع التحولات الدستورية التي جاء بها دستور 2011 وكذلك صدور القوانين التنظيمية سنة 2015، والتي أطرت علاقة الدولة بالجماعات الترابية وبباقي المستويات الترابية الأخرى، نجد المشرع يلزم الجماعات الترابية وللأول مرة بموجب هذه القوانين التنظيمية، على أن ممارسة الإختصاصات المشتركة والقابلة للنقل بين دولة والجماعات الترابية تمارس بشكل تعاقدي، إما بمبادرة من الدولة أو بطلب من الجماعات الترابية، كما نصت على أنه يمكن للجهة والجماعات الترابية الأخرى بمبادرة منها واعتمادا على مواردها الذاتية أن تمول أو تشارك في تمويل إنجاز مرفق أو تجهيز أو تقديم خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية بشكل تعاقدي مع الدولة إذا تبين أن هذا التمويل يساهم في بلوغ أهدافها.

وترجع أسباب بناء علاقة الدولة بالجماعات الترابية على التعاقدية إلى المبادئ الدستورية والتنظيمية الجديدة، حيث استلزمت هذه الأخيرة إعادة النظر في العلاقة القائمة ما بين الدولة والجماعات الترابية، حيث لم يعد مقبولا مع هذه المبادئ أن تتدخل الدولة في الجماعات الترابية من منطلقات عشوائية، وإنما يجب أن تكون هذه التدخلات منسجمة مع المبادئ الدستورية والتنظيمية التي أصبحت تقوم عليها الجماعات الترابية، لذلك فالتنصيص على الآلية التعاقدية في القوانين التنظيمية الثلاث المتعلقة بالجماعات الترابية يأتي في سياق مواكبة هذه المستجدات وتفعيلها على أرض الواقع".

وقد لعبت اللجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة دورا بارزا في ظهور هذه الآلية التعاقدية، حيث تعد من المرجعيات التي دعت إلى تبني التعاقد، حيث اعتبرت هذه الأخيرة، أن التعاقد يمثل أداة حديثة لتحديد "العيش المشترك" بين الشركاء ومساءلة الفاعلين سواء تعلق الأمر بالمنتخبين أوممثلي الدولة أو المصالح اللامركزية، وتطوير التدبير العمومي وتبسيط الإجراءات، وهكذا فإن التعاقد حسب اللجنة الاستشارية للجهوية، يعتبر آلية منسجمة مع هذه الفعالية والمصداقية في التدخلات العمومية.

وهذه التغيرات التي أدخلها التعاقد على الجماعات الترابية، تأتي من أجل المساهمة في تحقيق الدور الذي أصبحت تضطلع به الجماعات الترابية كفاعل على مستوى السياسات الترابية، وهو ما أكدته اللجنة الاستشارية للجهوية عندما اعتبرت أن التعاقد “ أداة لتنسيق الاختصاصات بالنسبة للجماعات الترابية"، حيث لم يعد بمقدور الدولة لوحدها بلورة وتنفيذ السياسات العمومية و الاختصاصات المنقولة إلى الجماعات الترابية، التي تظل معقدة ومتداخلة، مما يتطلب ضرورة تنسيق العمل، وفي هذا السياق يمكن العقد من تعبئة تمويلات إضافية ووضع سياسة أقرب إلى الحقائق الترابية، موازاة مع الاستجابة لمتطلب التنسيق الأمثل بين مختلف العمليات الجارية. 

وعليه فالتقنية التعاقدية تهدف إلى تجديد العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية بأن تصبح أداة حقيقية لتنسيق السياسات ، فالأسلوب التعاقدي ما بين الأشخاص المعنوية العامة (الدولة، الجماعات الترابية)، يشكل الوسيلة الطبيعية لتجسيد التعاون والشراكة، التي يتطلبها أجرأة الإختصاصات المشتركة والقابلة للنقل بين الدولة والجماعات الترابية، إضافة إلى ذلك فإن الوسيلة التعاقدية أصبح لها دور مهم في تنسيق والالتقائية السياسات الترابية، فهي تشكل آلية متميزة قادرة على ضمان تنفيذ البرامج والمشاريع وبلورة سياسة عمومية ترابية فعالة وناجعة، إضافة إلى أنها تشكل وسيلة بيد الجماعات الترابية يمكن أن تحد من خلالها التدخلات الغير الصالحة للدولة في علاقتها بالجماعات الترابية.

وتتجلى أهمية الآلية التعاقدية بين الدولة والجماعات الترابية في الوضعية الحالية، في كون التعاقد أضحى وسيلة وتدبيرا عموميا جديدا للأجرة المبادئ الدستورية والمبادئ القانونية التنظيمية المنظمة للجماعات الترابية على إعتبار أن كل من مبادئ التعاون والتضامن والتدرج والتمايز والتفريع لا يمكن أن تطبق من خلال قاعدة عمومية مجردة، كما أن القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية عملت على إلزامية الألية التعاقدية قصد ممارسة الجماعات الترابية للإختصاصات المشتركة، أما الاختصاصات القابلة للنقل فالأكيد أن ممارستها لن تتم إلا عن طريق التعاقد المتجسد في اتفاقيات التعاون والشراكة، إعمالا لهذا التحول الذي أفضى لبلورة مفهوم التعاقدية. كما تكمن أهمية التقنية التعاقدية في كونها تشكل وسيلة لتنسيق والتقائية توجهات الدولة والجماعات الترابية، فهي تعتبر مدخل أساسي لتحقيق والتقائية السياسات العمومية الترابية التي تهم الجماعات الترابية المتعاقدة.

فلماذا أضحت التعاقدية عنصرا أساسيا في السياسات الترابية؟ وكيف يمكن للمنظومة التعاقدية أن تكون آلية لتنسيق والتقائية توجهات الدولة والجماعات الترابية؟

ويتحقق الجواب على الإشكالية من خلال البحث في أسباب بناء علاقة الدولة بالجماعات الترابية على  التعاقدية (فصل أول)، ثم في مجالات النظام التعاقدي بين الدولة والجماعات الترابية (فصل ثان).

الفصل الأول : أسباب بناء علاقة الدولة بالجماعات الترابية على التعاقدية

يحتل التنظيم الترابي أهمية حيوية بالنسبة للدولة، في بلورة وتوجيه سياسات عمومية مندمجة وتشاركية، تجعل من التراب عنصرا لكل تنمية ترابية، وإرساء ثقافة الديمقراطية المحلية، فإيجاد المقاربات والآليات لضبطه وتنميته، هو ما حاولت الدولة بلورته من خلال سياسة اللامركزية، التي عرفت مسارا إصلاحيا بلورة رؤية وفلسفة الدولة في دعم هذا الخيار، ومنحه اتجاهات جديدة بأهداف ومبادئ متجددة، تنسجم مع الواقع الداخلي والخارجي، الذي أصبح في أمس الحاجة إلى وحدات ترابية لامركزية قادرة على تصريف مختلف المشاكل المتراكمة ومحاولة التغلب عليها.

وبالنظر للأهمية التي يكتسيها الدور المتميز الذي أصبحت تقوم به الجماعات الترابية في محيطها الإقتصادي والإجتماعي والبيئي، فقد أصبحت مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى ممارسة مهام بالغة الأهمية في سياق أكثر تعقيدا مما يطرح أمامها إشكالية الحكامة والتدبير الجيد، وقد أصبح من الضروري التفكير في تنظيم وتطوير الهياكل الأساسية لعمل الإدارة الجماعية من أجل تمكينها من الوفاء بالتزامات الدستورية.

ولقد أسس دستور 2011 لعلاقة جديدة بين الدولة والجماعات الترابية، من خلال تنصيصه على مجموعة من المبادئ ، والآليات التي ستحدد طرق توزيع الاختصاصات، والموارد بين المركز والمجال الترابي (المبحث الأول).

وتتأسس الجماعات الترابية في حدودها الجغرافية، تبعا لاعتبارات تاريخية وسوسيو قبلية وثقافية ومؤسساتية أو سعيا لتحقيق تعاون وتكامل بين مكونات المنطقة، وبذلك فهي تتمتع باختصاصات ذاتية وأخرى مشتركة مع الدولة وثالثة تنقل إليها من لدنها (المبحث الثاني)، وذلك في حدود توفرها على الموارد مالية ذاتية وأخرى ترصدها لها الدولة، من أجل بلوغ أهدافها الدستورية في تحقيق التنمية والنهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة والتنمية الاجتماعية وتقديم خدمات القرب التي أنيطت بكل جماعة ترابية وفق صلاحياتها وإمكانيتها، ارتكازا على مبدأي التدبير الحر والتفريع. 

الفصل الثاني : مجالات النظام التعاقدي بين الدولة والجماعات الترابية

تعززت الحرية التعاقدية بسند قانوني مهم يتمثل في واجب تفعيل مبدأ التدبير الحر، وذلك عبر عدد من المقتضيات القانونية التي تعقد لحق الجماعات الترابية في حرية التصرف عبر مختلف الآليات التعاقدية. 

فالجماعات الترابية كهيئات مستقلة إداريا وماليا لها كامل الحرية في التعاقد من أجل تحقيق الأهداف المراد تحقيقها، وبمعنى أخر يجب أن تكون لهذه المقتضيات القوة القانونية لتتبع الجماعات الترابية بحقها في ممارسة الإختصاص التعاقدي في إطار القوانين التنظيمية المؤطرة لعملها هذا، فلقد أضحى العقد من بين أهم الوسائل التي تلجأ إليها الأشخاص العامة من بينها الجماعات الترابية، من أجل أداء مهامها، فإلى جانب القرار الإداري الإنفرادي، وبالنظر لتزايد الحاجة إلى تعزيز آلية التعاقد ونقله من مجرد إجراء ثانوي، خلصت الجماعات الترابية إلى ظهور حاجات يقتضي إشباعها ضرورة إستعمال الوسيلة التعاقدية.

فالحرية التي يتمتع بها الشخص المتعاقد هي حرية أصلية مرتبطة بكيانه والشخصية المعنوية التي هي أساس وجوده، وهي مايضمن له الحق في ممارسته للحريات التي تتفرغ عنها باقي التصرفات والأفعال من حق التملك، وحق المبادرة، وحق التعاون كما أن التعاقدية بالأساس جزء من القدرة التدبيرية للهيئة العمومية المعنية، وهي تصرف دي أساس مادي يجب أن تتحقق فيه شروط المسؤولية الذاتية، خارج تدخل أي جهاز آخر يؤثر في إختياراته. 

وللتدليل على ذلك نشير أنه قد برز في وقت بعيد بالتجربة الفرنسية التي ربطت مبدأ التدبير الحر بمجال تنظيم المرافق العمومية المحلية، عبر الإعتراف بحق الجماعات الترابية في تحديد كيفيات التعاقد كآلية قانونية بيدها، والتدخل عبره وفق ما ترتئيه مصلحتها عند النظر في الاختيارات التعاقدية المخولة لها بموجب القوانين والنصوص القانونية. 

ويعد التعاقد أداة مميزة لتنسيق جهود الدولة والجماعات الترابية بمقتضى إتفاقيات التعاون والشراكة، بحيث يمكن للجهات والجماعات الترابية الأخرى في إطار الإختصاصات المخولة لها أن تبرم فيما بينها أو مع جماعات ترابية أخرى أو الإدارات العمومية أو المؤسسات العمومية أو الهيئات غير الحكومية الأجنبية أو الهيئات العمومية الأخرى أو الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة إتفاقيات التعاون والشراكة من أجل إنجاز مشروع أو نشاط ذي فائدة مشتركة لايقتضي اللجوء إلى إحداث شخص إعتباري خاضع للقانون العام أو الخاص.

ولذلك فإن الحديث عن العلاقة التعاقدية بين الدولة والجماعات الترابية، لابد من الطرق أولا إلى إتفاقيات التعاون والشراكة باعتبارها شكل من أشكال التعاقد (المبحث الأول)، ثم إلى التعاقد كآلية لتنسيق وإلتقائية توجهات الدولة والجماعات الترابية (المبحث الثاني).


رسالة التعاقد بين الدولة والجماعات الترابية إنجاز الطالبة ربيعة أيت حمو إشراف الدكتور محمد العابدة والدكتور يونس أبلاغ. 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -