مبدأ عالمية القضاء الجنائي

جديد

مبدأ عالمية القضاء الجنائي

مبدأ عالمية القضاء الجنائي
العنوان    مبدأ عالمية القضاء الجنائي
انجاز الطالبة      نصيرة ميلودي
تحت اشراف الدكتور    يوسف أوتفات
التصنيف   مذكرة ماستر 
تاريخ المناقشة    2013
عدد الصفحات110 ص
حجم الملف1MO
نوع الملفPDF
روابط التحميلmediafire أو google drive

مقدمة

يمر المجتمع الدولي بمنعطف مهم جدا، باتت فيه مفاهيم حقوق الإنسان أحد المعايير المهمة لقياس مدى تطور الأمم والشعوب، بحيث أخذت الدول الحديثة تنهض على العدل واحترام الحقوق الإنسان وقد جسد ذلك ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 : " نحن شعوب الأمم المتحدة وقد ألينا على أنفسنا ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب والتي خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانا، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي".

وسار على نفس النهج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر 1948 حيث يؤكد على الإقرار بما للمجتمع الدولي من كرامة أصيلة وحقوق متساوية وثابتة.

لكن المجتمع الدولي لم يسر على هذا النهج، فقد دفع الإنسان ثمنا غاليا من حياته وحريته وحرية أوطانه من جراء حربين عالميتين خلفتا من ورائهما الملايين من الضحايا والقتلى والجرحى، والأمر لم يقتصر على الحربين بل استمر مسلسل الجرائم وامتد حتى وقتنا هذا.

وإذا نظرنا إلى هذه الانتهاكات الخطيرة والاعتداءات الجسيمة والتي تمس بشكل خاص المصالح الجوهرية العليا للمجتمع الدولي ويشكلان مساسا خطيرا بسلام البشرية وأمنها، كان سببها الجرائم بمختلف أنواعها.

وببروز مصالح وقيم حيوية تهم الجماعة الدولية، أصبح أمر حمايتها يقع على جميع الدول عن طريق إحالة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الأكثر خطورة على المحاكم الجنائية الداخلية من أجل مكافحة فعالة للجرائم المرتكبة ضد المصلحة المشتركة للبشر ، غير أن المجتمع الدولي لم يستطع مواجهتها على نحو يضمن سلامة الشعوب والجماعات، وذلك لعقبة الولاية القضائية الإقليمية.

فقد كان من بين الاختصاصات التقليدية التي يتضمنها القانون الجنائي في مجال القضاء الجنائي، الاختصاص الشخصي الإيجابي والاختصاص الشخصي السلبي، بحيث تمنح للدول حق حماية مواطنيها على إقليم أجنبي ، وبالتالي حماية مصالح دولة واحدة.

لكن أمام تطور القانون الدولي، وظهور طبيعة جديدة من الجرائم الدولية التي تتجاوز آثار خطورتها حدود إقليم الدولة التي ارتكبت فيه، تم التجاوز عن القاعدة الإقليمية، وبدأ يقر حق الدولة في ممارسة ولايتها القضائية بالنيابة عن المجتمع الدولي، حيث أصبح بمقدور أية دولة يتواجد بها أشخاص يشتبه بارتكابهم لجرائم دولية بغض النظر عن مكان ارتكابها وعن جنسية المتهم، إذ نظم القانون الدولي من خلال مختلف الاتفاقيات الدولية، آلية الإختصاص العالمي التي تمكن الدول من متابعة ومعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية الأكثر خطورة بغض النظر عن مكان ارتكابها وعن جنسية المتهم والضحية الذي يكون في حاجة إلى آليات لإنصافه. وهذا ما يقال عنه على المستوى الدولي بـ "عالمية الاختصاص الجنائي".

يتمثل الاختصاص العالمي في الاختصاص الذي يعترف به للقضاء الداخلي بمحاكمة مجرمين عن أفعال ارتكبوها خارج إقليم الدولة، ذلك باتخاذ إجراءات المتابعة الجنائية بصفة مستقلة عن مكان ارتكاب الجريمة وبغض النظر عن جنسية المتهم والضحية، فلا تكون الدولة بموجب الإختصاص الجنائي العالمي على علاقة مباشرة بالجريمة من خلال جنسية الجاني أو المجني عليه، أو الضحية، كما لا تقوم المتابعة الجزائية على وجود أو عدم وجود مصلحة خاصة، بل تكون المصلحة المشتركة للجماعة الدولية في حماية البشرية من أبشع الجرائم، المحفز لاتخاذ إجراءات المتابعة الجزائية ، لذلك يجد مبدأ الإختصاص العالمي مبررة في أنه الوسيلة القانونية التي تسمح بوضع حد للإفلات من العقاب وفي تضامن الدول لمواجهة الجرائم الدولية المرتكبة ضد الحقوق الأساسية للإنسان، وذلك بمتابعة المسؤولين عن ارتكاب تلك الجرائم. 

وإذا كانت الغاية من إرساء مبدأ الاختصاص العالمي ضمن الأنظمة القانونية الوطنية تتمثل في ضمان عدم إفلات مجرمين من العقاب، وتجنب التنازع السلبي للاختصاص بين الدول، فإن على الدول ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الدولية الأكثر خطورة.

وقد ثبت من خلال القانون الدولي العرفي إدانة مرتكبي الجرائم التي تمس الضمير الإنساني، بحيث تجد بعض الجرائم الدولية تأسيس متابعتها بموجب الاختصاص الجنائي العالمي على أساس العرف الدولي، وهو ما يبرر ظهور هذا المبدأ في القانون الدولي العرفي قبل القانون الوضعي.

إن قمع الإنتهاكات الجسيمة للقانون الدولي يتطلب مطابقة القانون الجزائي الوطني لقواعد القانون الجنائي الدولي في الالتزام بتشريع مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي في الأنظمة القانونية الوطنية، وما يترتب عن ذلك من التزام بحضر الجرائم الدولية في القانون الجزائي الوطني والالتزام بتقرير عدم تقادم المتابعة الجزائية في مثل هذه الجرائم.

وفي هذا السياق أكد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على مسؤولية الدول في تنظيم ردع الجرائم الدولية الأكثر خطورة، من خلال المحاكم الجنائية الداخلية، خاصة وأن المحكمة الجنائية سيكون لها دورا مكملا في محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، حيث تعتمد على الإختصاص التكميلي الذي يعتبر وسيلة لتحقيق الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه الإختصاص العالمي، لأنه يرسم الحدود الفاصلة بين ما يدخل في اختصاص القضاء الوطني وما يدخل ضمن الاختصاص الدولي.

فضمان عدالة جنائية دولية حقيقية تكمن لا محالة في الصلاحيات والإختصاصات الممنوحة لها، ويؤكد على ذلك الفقيه " Serg-Sür" لما يقول : " إن أحد شروط نجاعة المحكمة هو أن يكون اختصاصها عالميا قدر ما يمكن ذلك، واحترام هذا أثره هام، ليس فقط بالنسبة لسيرها العملي، بل وكذلك وقبل كل شيء بالنسبة للصورة التي تعكسها " .

وبالتالي تكمن أهمية دراسة هذا الموضوع في التطورات القانونية التي أحدثها مبدأ الإختصاص العالمي كإقرار حق المواطنين في مقاضاة المسؤولين مهما كانت صفتهم الرسمية في الدولة أمام القضاء الوطني، وذلك بعد إقرار القانون الجنائي الدولي المسؤولية الجنائية الفردية في الجرائم الدولية، كما أحدث المبدأ تجاوز عصبية التمسك بالسيادة والحدود الإقليمية لهدف حماية الإنسانية من أبشع الجرائم.

فمن خلال هذا الأساس تبدو الأهمية العملية لمبدأ الإختصاص العالمي باعتباره المبدأ الذي يكون أكثر فعالية في معاقبة مرتكبي الجرائم الدولية بغض النظر عن دولة ارتكاب الجريمة أو جنسية مرتكبها، والضحية الذي يكون في حاجة إلى آليات لإنصافه.

فعلى هذا الأساس تطرح الإشكالية الرئيسية للبحث والتي تتمحور حول مدى فعالية مبدأ الإختصاص العالمي في الحد من إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب، ومدى إمكانية ممارسة الأجهزة القضائية الوطنية للاختصاص العالمي بشكل لا يؤدي إلى تنازع الإختصاص فيما بينهما ؟

للإجابة على ذلك اعتمدنا على المنهج التحليلي الإستنتاجي للتوصل إلى الإجابة على الإشكالية التي يطرحها موضوعنا، وكذلك الإشكاليات الجانبية التي يمكن أن تثيرها الدراسة، وذلك بالتعرض إلى معرفة هذا المبدأ في القانون الدولي، من خلال تبيان مفهومه وشروطه وكذا التزام الدول بتطبيقه (الفصل الأول)، مع إمكانية مناقشة هذا الموضوع كمبدأ مرتبط بمبدأ آخر وهو الإختصاص التكميلي، الذي يعتبر من أهم المبادئ المساعدة لتفعيل الإختصاص العالمي وكذا التطبيقات الأوروبية لهذا المبدأ (الفصل الثاني).

الفصل الأول : عالمية القضاء الجنائي في القانون الدولي

إن وحشية الجرائم المرتكبة بحق الشعوب وخطورتها والتي يدينها المجتمع الدولي بأكمله، تجعل من الدول من خلال الإضرار بمصالحها وجوب ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية أيا كانت مراكزهم الرسمية وبغض النظر عن جنسياتهم وأماكن ارتكابهم للجرائم، حيث تشكل هذه الفكرة الركيزة الأساسية لمبدأ الاختصاص الجنائي العالمي. 

وبالتالي نتطرق أولا إلى ماهية مبدأ الإختصاص العالمي ومنه معرفة مفهومه وشروطه كونه المبدأ الذي يحكم انعقاد اختصاص المحاكم الداخلية للدول (المبحث الأول)، لنختم الفصل الأول بكيفية تنظيم الدول الإختصاص الجنائي العالمي في الأنظمة القانونية الوطنية على الرغم من اختلافها في تلقي قواعد القانون الدولي ضمن القانون الداخلي وكذا العقبات التي تحد من إعماله وتطبيقه (المبحث الثاني).

الفصل الثاني : الإختصاص الجنائي العالمي كآلية مكملة لنظام العدالة الدولية 

بعد رفض وتأييد حول إنشاء محكمة دولية تتمكن من معاقبة منتهكي حقوق الإنسان، تمكن في الأخير فقهاء القانون الدولي من ضرورة تأسيس محكمة دولية ذات طبيعة عالمية تتمكن من محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية والحد من إفلاتهم من العقاب.

غیر أنه لا يمكن الاعتماد عليها بصورة كلية لضمان تحقيق العدالة الجنائية الدولية، من خلال محاكمة ومعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية، فالقضاء الجنائي الوطني من الممكن أن يوفر فعالية لا يمكن تأمينها وضمانها لدى القضاء الدولي، علما أن المحكمة الدولية مكملة للولاية القضائية الوطنية، حيث تعتمد على الإختصاص التكميلي (المبحث الأول) وباعتبار الدول الأوروبية راعية للإتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، فإنها كانت رائدة في تطبيق مبدأ الإختصاص الجنائي العالمي، لكن ممارستها وتطبيقها لهذا المبدأ يختلف من دولة إلى أخرى حسب الظروف التاريخية والسياسية والقانونية لتلك الدول (المبحث الثاني).


مذكرة مبدأ عالمية القضاء الجنائي إعداد الطالبة نصيرة ميلودي ، إشراف الدكتور يوسف أوتفات. 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -