العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة

جديد

العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة

العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة دراسة تحليلية لمقتضيات دستور 2011
العنوان    العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة دراسة تحليلية لمقتضيات دستور 2011   
انجاز الطالب      حميد الماموني
تحت اشراف الدكتور    عبد الله حداد
التصنيف   رسالة 
السنة الجامعية     2014/2013
عدد الصفحات187 ص
حجم الملف2MO
صيغة الملفPDF
منصات  التحميلmediafire أو google drive
العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة دراسة تحليلية لمقتضيات دستور 2011

مقدمة

   مر التنظيم الإداري للدولة الحديثة بعدة مراحل تخللتها أشكال مختلفة من الهياكل، ولعل التنظيم الإداري الحالي يشكل أهم ما وصل إليه الفكر في المجال الديمقراطي، وهو ما يتجلى عندما نلاحظ أنه بجانب الإدارة المركزية، التي تدير تدبير دواليب الحياة العامة للنظام السياسي القائم، هناك الإدارة المحلية التي تم خلقها لمواجهة المشاكل والتحديات المحلية، حيث أصبح من الصعب على المركز، أن يواجه هذه المشاكل أمام ما تتطلبه من سرعة و فعالية ونجاعة في المعالجة، سواء على المستوى الإقتصادي أو الإجتماعي .

   وبذلك فالإدارة المحلية هي مجموعة من الأجهزة المنتخبة ذات الشخصية المعنوية، تعمل على تدبير الشأن الترابي، وذلك بتعاون مع ممثلي الإدارة المركزية وتحت وصاية هذه الأخيرة. 

   وهي بالتالي تجسيد واقعي لأسلوب اللامركزية الإدارية، وتبعا لذلك فهي أسلوب ديمقراطي يخول بمقتضاه المشرع، سلطات تقريرية واسعة للأجهزة الجماعية المنتخبة على المستوى المحلي، داخل مجال ترابي وجغرافي معين، وضمن النطاق المحدد لها قانونا وتحت إشراف ورقابة السلطات المركزية .

   ويثير موضوع تطور علاقة الدولة بالجماعات الترابية إشكالية علاقة المركز بالمحيط والإصلاحات التي قامت بها الدولة، بإعطاء استقلالية إدارية ومالية للوحدات الترابية، لتدبير شؤونها، وتصريف المهام الموكولة لها .

   ومن خلال دراسة موضوع العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية، يمكن التركيز على مستوى توزيع الإختصاصات والموارد المالية والبشرية، فتبيان المهام، يبين حدود تدخل الهيئات المحلية، وكذا مدى استقلالية المجالس المحلية، لكون خيار ومسلسل اللامركزية في المغرب، فرض على الدولة نقل اختصاصات مهمة لفائدة الساكنة المحلية، من أجل تعميق الممارسة الديمقراطية، على مستوى الوحدات الإدارية الترابية. 

   ويعتبر التنظيم الجهوي والجماعي بالمغرب، الوجه الأبرز للامركزية، كخيار دخلته الدولة منذ استقلالها، باعترافها القانوني وتكريسها الدستوري لهذه الوحدات الترابية ذات الشخصية المعنوية، والمتوفرة على صلاحية تدبير مصالحها الخاصة، عن طريق أعضائها المنتخبين بشكل حر وديمقراطي، وقد عرف دخول المغرب في هذا الخيار، تدرجا تميز بتحول نوعي في الإطار المؤسساتي والقانوني المنظم للجهات والجماعات الترابية الأخرى، ترتبط بسياق الإستئناس بالتجربة مع ظهير 23 يونيو 1960، ومرورا بعدة محطات إصلاحية التي توخت تعزيز هذه التجربة وتطويرها .

   حيث أن تطوير وتأهيل التنظيم الجماعي عامة، والجهوي على الخصوص، كان هاجس المغرب منذ الحصول على الإستقلال، حيث كانت الخاصية الأساسية التي طبعت تطوره، هي ترسيخ بنيات لامركزية قادرة على إدارة الشؤون المحلية بأسلوب حر وشفاف، يسمح للسكان بالمشاركة الواسعة والفعلية في صناعة القرار التنموي، وتبني سياسات عمومية محلية، بناءا على الرؤية والإحتياج الترابي، مع العمل على تكريس إدارة القرب، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، التي تستلزم إيجاد أساليب حديثة وكفيلة بخلق إقلاع تنموي مندمج ومستديم، يعطي مكانة أكبر للامركزية والديمقراطية المحلية، وبناء جهوية متقدمة .

   ومن خلال تطرقنا لموضوع العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة، سنحاول الوقوف على واقع هذه العلاقة، من خلال التجربة اللامركزية الجهوية الراهنة، بحيث أن هناك مجموعة من الإختلالات والعراقيل، التي تحد من الإختصاصات نتيجة إعتماد المشرع المغربي على المقتضى العام، والصيغ الفضفاضة والمبهمة في تحديد وتوزيع الإختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية، وعلى رأسها الجهات، نظرا لدورها الهام، في مجال القيام بمشاريع التنمية المستدامة والمندمجة .

   كما أن هناك إكراهات أخرى تحد من علاقة المركز بالمجال الترابي، ترجع إلى الوصاية المفرطة، ثم ضعف الوسائل المالية والبشرية الممنوحة للوحدات الترابية، بالإضافة إلى إشكالية التقسيم الترابي سواء الذي تم العمل به في تجربة الجهات الاقتصادية لسنة 1971 أو التقسيم الجهوي المعمول به حاليا في إطار القانون المنظم للجهات 47.96 لسنة 1997 بحيث خلفا مجموعة من الإختلالات، تتجلى بالأساس في إنعدام التوازن بين الجهات، من حيث الموارد والإمكانيات، مما خلف جهات غنية قادرة على تدبير شؤونها، وجهات أخرى فقيرة لا تتوفر على موارد ذاتية للقيام بالمشاريع التنموية .

   ولتجاوز هذه الإختلالات في العلاقة بين المركز والمجال الترابي، التي إتسمت بها التجارب السابقة والتجربة الجهوية الحالية، فإن الآمال والآفاق تعقد على ورش الجهوية المتقدمة، من أجل تحسين علاقة الدولة بالجماعات الترابية، حيث تم إطلاق هذا الورش،

   وفق مقاربة تشاركية ترأسها الملك محمد السادس، من خلال الخطاب الملكي بتاريخ 3 يناير 2010، الذي تم بمقتضاه تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية، من أجل بلورة نموذج مغربي نابع من الخصوصيات الوطنية، ومكرسا للتنمية المندمجة، وبالفعل فقد قامت هذه اللجنة بإنجاز تقرير شمولي حول الجهوية المتقدمة، من خلال اعتمادها لمقاربة تشاركية أخذت بعين الإعتبار إشراك جميع الفاعلين في إطار نقاش وطني مفتوح حول هذا الورش الهام .

   وهو ما تم تكريسه وبلورته من خلال دستور 2011، الذي دشن لعهد الجهوية المتقدمة من خلال تخصيصه لحوالي 14 فصل، عن التفاصيل المتعلقة بالتنظيم الجهوي وطرق انتخاب أعضائه، ثم توزيع الإختصاصات والموارد بين الدولة والجماعات الترابية، وعلاقة رؤساء المجالس الجهوية بالولاة والعمال، وغيرها من الأفكار المقترحة في تقرير اللجنة الإستشارية للجهوية، والتي تمت دسترتها .

    لذلك فإن ورش الجهوية المتقدمة، يتطلع من خلاله المغرب إلى تحقيق الديمقراطية المحلية وتكريس التنمية المستدامة والمنذمجة اقتصاديا واجتماعيا، وثقافيا وبيئيا، تكون مدخلا لإصلاح عميق لهياكل الدولة، من خلال السير الحثيث و المتدرج، على درب اللامركزية واللاتمركز الفعليين النافذين، والديمقراطية المعمقة والتحديث الإجتماعي والسياسي والإداري للبلاد والحكامة الجيدة. 

   ولهذه الأسباب فقد جاء الدستور المغربي الجديد لسنة 2011، لتكريس ورش الجهوية من خلال التنصيص على مقتضيات متطورة في هذا المجال، فطبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الدستور، فإن " التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة "، حيث ربط هذا الورش، بمبادئ الدولة الراسخة في ثوابت الأمة ( الدين، الوحدة الوطنية، الملكية الدستورية والاجتماعية والبرلمانية، فصل السلط والديمقراطية والتشارك والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة ... ) .

   لذلك يندرج إعتماد الجهوية المتقدمة، ضمن إعادة الترتيب الترابي داخل الدولة، على المستويات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والمالية والإدارية، تبعا لذلك جاء الفصل 63 من الدستور الذي جعل من الجهات والجماعات الترابية الأخرى شريكا أساسيا في تفعيل السياسة العامة للدولة، وعنصرا مهما في إعداد السياسات الترابية، من خلال دعم تمثيلها داخل مجلس المستشارين الذي ينتخب لمدة 6 سنوات .

   أما الباب التاسع من هذا الدستور، فقد خصصت فصوله من 135 إلى 146، كلها للتنظيم الجهوي المرتقب، كما تمت الإشارة إلى المبادئ الجديدة للتدبير الترابي، والتي ستحدد من خلالها العلاقة الجديدة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة، حيث حدد الفصل 136 مرتكزات التنظيم الجهوي الترابي في مبادئ التدبير الحر، والتضامن ومشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، ثم الرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة، وتتجلى أهمية مبدأ التدبير الحر، في كونه أصبح مرجعا أساسيا في تعميق اللامركزية، وتنظيم العلاقة بين الدولة والجهات والجماعات الترابية الأخرى، وبالتالي تفادي مسألة تنازع الاختصاص، فمبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية، هو حماية إتجاه الدولة وباقي الجماعات الأخرى .

   وبالإضافة إلى ذلك فقد ورد في الفصل 143، على أن الجهة تتبوأ تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، وتصاميم إعداد التراب الوطني، في نطاق احترام الإختصاصات الذاتية لهذه الجماعات، وبالتالي يمكن القول بأن الدستور الجديد عمل على التحديد الدقيق لإختصاصات الجماعات الترابية، ومنها الجهات ورسم حدود تدخل كل واحدة منها، بتخويلها دستوريا الإختصاصات الذاتية والإختصاصات المشتركة بقانون تنظيمي، ومن بين المستجدات التي يجب التنويه بها، من خلال الإختصاصات التي كان يمارسها العمال والولاة، باعتبارهم ممثلي الدولة، حيث تحولوا من وضع منفذي المقررات الجماعية إلى هيئات لمساعدة رؤساء المجالس الجهوية في تنفيذ هذه البرامج، وبالتالي الإنتقال من علاقة الوصاية على الجماعات الترابية إلى دور المساعدة والإشراف .

   وهكذا فدستور 2011 أسس لعلاقة جديدة بين الدولة والجماعات الترابية، من خلال تنصيصه على مجموعة من الآليات والمبادئ التي ستحدد طرق توزيع الإختصاصات والموارد بين المركز والمجال الترابي، ومعرفة حدود تدخل كل طرف تكريسا للمبدأ الدستوري المتمثل في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبالتالي أصبح الدور يقع الآن على السلطة التشريعية والحكومة الحالية للإسراع في الإنكباب على إصدار القوانين التنظيمية الخاصة بالجهوية المتقدمة، والإلتزام بالبرنامج الحكومي الذي عرضته على البرلمان، حيث تم التصويت على القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، تمهيدا لقوانين لاحقة، عملا بمبدأ التدرج في الإصلاح الجهوي .

   وعموما فالدستور الجديد ليوليوز 2011، جاء بتصور جديد لتنظيم العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية، وخاصة الجهات، عن طريق تحديد أهداف جديدة للتنظيم الترابي من قبيل تكريس الديمقراطية المحلية، وتكريس اللامركزية وبناء جهوية متقدمة ثم إدخال مفهوم الحكامة الجيدة في تدبير الشؤون المحلية، بالإضافة إلى تعزيز إدارة القرب، كما حدد مبادئ الحكامة الترابية في مبدأ التدبير الحر، مبدأ المشاركة، ومبادئ التضامن المجالي، والتفريع .

   كما عمل الدستور الجديد على تبني مرتكزات التنظيم الجديد للجهات والجماعات الترابية الأخرى من خلال إعطائها تسمية وتعريف جديدين، حيث تم تعويض الجماعات المحلية، بمصطلح الجماعات الترابية، وذلك ترسيخا للبعد الترابي والمجالي في عملية التنمية المندمجة، هذا بالإضافة إلى توضيح دقيق للإختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية، أو بين هذه الأخيرة نفسها عن طريق مبدأ التفريع .

الفصل الأول : تشخيص واقع العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية من خلال التجربة الجهوية الراهنة .

   بدأت السلطات منذ حصول المغرب على الإستقلال، في الإتجاه نحو دمقرطة مؤسسات الدولة على إختلاف مستوياتها، وعلى الخصوص المؤسسات المحلية .

   وإذا كان الإهتمام إنصب على تثبيت دعائم اللامركزية الإدارية، قد شكل منذ الإستقلال خيارا إستراتيجيا للمغرب، فإن إقامة حكامة جيدة، وديمقراطية محلية أصبحتا هدفين يحظيان بالأولوية المطلقة في السياسة العامة للدولة التي سعت من خلاله إلى جعل التدبير الجهوي والمحلي قاطرة للتنمية المستدامة .

   وهكذا عرف نمط التدبير المحلي تطورا عميقا وتدرجا في الشكل والمضمون، إذ إنتقل من مجرد سلطة إقتراحية الى سلطة تقريرية، كما أملت التقدم المحقق في هذا المجال التحولات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي عرفها المغرب من جهة، ودواعي وضع نظام للحكامة يعوض التسيير الإداري للشؤون المحلية، في إطار من الشفافية والديمقراطية والمشاركة الواسعة للمجتمع المدني والساكنة المحلية من جهة أخرى. 

   وعلى هذا الأساس تم تقسيم التراب الوطني الى جماعات بلدية وقروية وإلى عمالات وأقاليم، قبل أن يتم الإرتقاء بالجهة إلى مصاف الجماعات المحلية المتمتعة بالشخصية المعنوية والتي تخولها إستقلالا إداريا وماليا، الأمر الذي أعطى ميزة خصوصية للديمقراطية المحلية المغربية، وقد تطور هذا النظام اللامركزي عبر مراحل مختلفة ومتدرجة، إلى أن وصل إلى المرتبة الحالية والمتمثلة في الجهوية الموسعة .

   لذلك فإنه لتشخيص واقع العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية، لابد من التطرق إلى الإطار التاريخي والقانوني للجهوية بالمغرب ( المبحث الأول )، ثم الإكراهات التي تواجه علاقة الدولة بالجماعات الترابية ( المبحث الثاني ) .

الفصل الثاني : آفاق العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة

   يعتبر ورش الجهوية المتقدمة، في الوقت الحاضر من المواضيع الهامة في الخطاب السياسي، بحيث أن الإدارة المركزية، لا يمكن لها لوحدها إيجاد الحلول اللازمة لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية .

    فالرهان الأساسي الذي يتعين ربحه، يتجلى في اعتماد منهج لتوزيع السلط والأدوار بين الدولة والجماعات الترابية، وعلى رأسها الجهة، وذلك على أساس الإختصاص والتنسيق والتكامل والشراكة، من خلال منظور شمولي ومندمج لتطور إشكالية اللامركزية وعدم التمركز على المدى المتوسط والبعيد، وهذا يتطلب تجاوز التباين الحالي في الخطاب السياسي والممارسة الملموسة، في مجال البناء الجهوي الجديد. 

   وذلك لن يتسنى إلا بإنتهاج مقاربة موضوعية، مبنية على إرادة سياسية وطنية واضحة وإلتزام جماعي لتشييد صرح الجهة الجديدة على أسس متينة وعقلانية ومضبوطة، كما أكد على ذلك دستور 2011، بحيث جاء إعتماد الجهوية المتقدمة أفاق للتدبير الجهوي، من أجل تجاوز الإشكالات والإختلالات التي تخبطت فيها الممارسة الجهوية على مدار السنوات الماضية .

   كما أن ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب جاء إمتثالا للإرادة السامية، لتمكين المغرب من جهوية متقدمة، تكون مدخلا لديمقراطية محلية حقيقية واثقة في الكفاءات والمؤهلات البشرية الترابية، كما جاءت الجهوية المتقدمة أيضا لتكون مدخلا لإصلاح عميق لهياكل الدولة، من خلال تطوير مسلسل اللامركزية واللاتمركز، والحكامة الترابية والتحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد في إطار الحكامة الجيدة .

   وبالتالي تم تدشين مرحلة جديدة في مسلسل اللامركزية، بتبني الجهة كأعلى جماعة ترابية، في التنظيم الترابي للمملكة بموجب الدستور الجديد لفاتح يوليوز 2011، من خلال جعل الخيار اللامركزي الجهوي من خيارات المملكة الثانية، بتنصيصه في الفصل الأول على أن " التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة ". 

   وقد شكلت الخطابات الملكية السامية، خاصة بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء، ثم خطاب 3 يناير 2010، بشأن تنصيب اللجنة الإستشارية للجهوية المتقدمة، المرجعية الموجهة للإختيار الجهوي المتقدم، بل الإقرار بوجود خارطة طريق ملكية للجهوية المتوخاة، خاصة من خلال تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية، إذ تم تحديد الأهداف العامة للجهوية بإعتبارها ورشا هيكليا لتحديث مؤسسات الدولة والإعلان عن أربع مرتكزات تتمثل في التشبت بمقدسات الأمة وثوابتها، و في وحدة الدولة والوطن والتراب، ثم إعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانيات، وتفادي تداخل الإختصاصات أو تضاربها بين مختلف الجماعات والسلطات والمؤسسات، هذا بالإضافة إلى الإلتزام بالتضامن إذ لا ينبغي إختزال الجهوية في مجرد توزيع جديد للسلطات بين المركز والجهات، كما يتعين إنتهاج اللاتمركز الواسع، الذي لن تستقيم الجهوية بدون تفعيله في نطاق حكامة ترابية ناجعة قائمة على التناسق والتفاعل .

   وبالتالي فإن ورش الجهوية المتقدمة ركيزة أساسية لتحسين العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية، من خلال إعتماد مقتضيات دستور 2011 والمبادئ الجديدة للتدبير الترابي، وذلك في إطار الديمقراطية المحلية، كدعامة أساسية للامركزية والوسيلة الناجعة لمواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتخفيف العبئ عن الجهاز المركزي، إنها إختيار سياسي يرمي لتحقيق تنمية متوازنة والقضاء على الفوارق بين مختلف الجهات.

   وبذلك سنحاول في هذا الفصل التطرق، لأفاق العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء مشروع الجهوية المتقدمة، وذلك من خلال الوقوف على السبل والمرتكزات الأساسية التي أكد عليها دستور 2011، من أجل إعادة النظر في علاقة المركز بالمجال الترابي، حيث أن الدستور الجديد أكد على مجموعة من المبادئ الأساسية للتدبير الترابي المرتقب على ضوء الجهوية المتقدمة، كمبادئ التدبير الحر والتفريع، ثم التضامن بين الجهات، إلى غير ذلك من المقتضيات الأساسية التي نص عليها دستور 2011، والتي جاءت في تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية الموسعة .

   وسنحاول معالجة هذا الفصل من خلال التطرق لمبحثين :
المبحث الأول : مرتكزات العلاقة الجديدة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء دستور 2011 .
المبحث الثاني : سبل الارتقاء بالعلاقة بين المركز والمجال الترابي لتحقيق حكامة ترابية.


رسالة العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء الجهوية المتقدمة دراسة تحليلية لمقتضيات دستور 2011 إعداد الطالب حميد الماموني 
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -