الجماعات الترابية بالمغرب بين توسيع الإختصاصات التدبيرية وإكراهات الإستقلالية المالية دراسة تحليلية

جديد

الجماعات الترابية بالمغرب بين توسيع الإختصاصات التدبيرية وإكراهات الإستقلالية المالية دراسة تحليلية

الجماعات الترابية بالمغرب بين توسيع الإختصاصات التدبيرية وإكراهات الإستقلالية المالية دراسة تحليلية

العنوان
     الجماعات الترابية بالمغرب بين توسيع   الإختصاصات التدبيرية وإكراهات الإستقلالية المالية
- دراسة تحليلية -
انجاز الطالب      نور الدين السعداني
تحت اشراف الدكتور    عبد الحق عقلة
التصنيف   رسالة  
السنة الجامعية     2015/2014
عدد الصفحات132 ص
حجم الملف2MO
صيغة الملفPDF
منصات  التحميلmediafire أو google drive
الجماعات الترابية بالمغرب بين توسيع الإختصاصات التدبيرية وإكراهات الإستقلالية المالية دراسة تحليلية

مقدمة

    تعتبر اللامركزية هي الآلية الكفيلة بدمقرطة تدبير الشأن العام المحلي بكل أبعاده الإقتصادية والإجتماعية والثقافية...، وذلك عن طريق الرفع من اختصاصات الجماعات الترابية وإعطائها الوسائل الضرورية لجعلها قادرة على القيام بالمهام المنوطة بها والمتمثلة في تحقيق التنمية المحلية.

   ومن هذا المنطلق فقد أصبحت الجماعات الترابية بالمغرب تحظى باهتمام بالغ في هذا المجال حيث سعى المغرب إلى تبني النظام اللامركزي منذ حصوله على الاستقلال، وذلك عبر مجموعة من القوانين والإجراءات التي تهدف إلى منح الجماعات الترابية مجموعة من الإختصاصات التي كانت في صميم اهتمامات السلطة المركزية، و من أهم هذه القوانين نجد ظهير 1960 المتعلق بالتنظيم الجماعي و الذي عرف الجماعات المحلية كوحدات ترابية داخلة في حكم القانون العام و متمتعة بالشخصية المعنوية و الاستقلال المالي، و هو ما جعل الجماعات المحلية تحظى بمكانة قانونية بين باقي الهيئات إلى أن جاء دستور 1962 ليمنحها مكانة دستورية، و إلى حين سنة 1963 ثم إحداث مجالس العمالات و الأقاليم، لكن ما ميز هذه المرحلة هو طغيان المقاربة القانونية و إبعاد كل مقاربة تنموية و هو ما جعل الجماعات المحلية مجرد هيئات تقوم بتصريف الأمور القانونية الكلاسيكية فقط.

   إلى أن جاءت المرحلة الانتقالية في تاريخ اللامركزية بالمغرب و ذلك بموجب ظهير 30 شتنبر 1976 حيث لم تعد الجماعات المحلية تقتصر على الأدوار الاستشارية و إنما أصبحت فاعل مشارك إلى جانب الدولة في تحقيق التنمية الإقتصادية بالإضافة إلى نقل مجموعة من الإختصاصات كانت من اهتمامات الدولة للجماعة المحلية و خاصة نقل سلطة إجراء مداولات المجالس من ممثل الدولة إلى رئيس المجلس باعتباره سلطة منتخبة.

   وقد تم تعزيز اللامركزية بإحداث الجهة سنة 1992 باعتبارها جماعة محلية تشكل حيزا يضم أبعادا اقتصادية و اجتماعية و ثقافية تمكن من التنسيق بين مختلف الفاعلين الذين يكونون الجهة بغية تحقيق تنمية محلية ومندمجة، إلا أن التحديات التي فرضتها العولمة التنافسية والتي تتطلب مؤسسات قوية وفعالة على المستوى المركزي واللامركزي جعلت المشرع يقوم بإلغاء ظهير 30 شتنبر 1976 بواسطة قانون التنظيم الجماعي رقم 278.00 الذي قام من خلاله بتوضيح وتوسيع اختصاصات المجالس الجماعية و التي جعلها تشمل التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و المالية و الأملاك الجماعية، والتعمير وإعداد التراب والمرافق و التجهيزات العمومية المحلية، و الوقاية الصحية و النظافة و البيئة و التجهيز والأعمال الاجتماعية و الثقافية و إمكانية التعاون والشراكة، فضلا عن اختصاصات قابلة للنقل من طرف الدولة و اختصاصات استشارية .

   إلا أن هذه التجربة لم تعمر كثيرا نتيجة الانتقادات التي وجهت القانون 78.00، ليأتي بعد ذلك القانون رقم 17.08 المعدل و المتمم للقانون السابق رقم 78.00، ليجعل الجماعات الترابية هي المختص الأول بكل ما يتعلق بتدبير الشأن العام المحلي، و قد أقر ذلك في الفقرة الأولى من المادة 35 التي تنص على انه " يفصل المجلس بمداولاته في قضايا الجماعة ولهذه الغاية يتخذ التدابير اللازمة لضمان تنميتها الإقتصادية و الإجتماعية والثقافية".

   كما أن المادة 36 تسرد مجموعة من الإختصاصات الذاتية التي تدخل في صلب التنمية الإقتصادية و الإجتماعية للجماعات المحلية. وقد تعزز إصلاح النظام اللامركزي في المغرب بموجب دستور سنة 2011 و الذي خصص الباب التاسع منه للجهات و الجماعات الترابية الأخرى ونص على مجموعة من المستجدات في هذا المجال خاصة في الفصل 136 منه الذي ينص على أنه" يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون و التضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة"، وكذلك الفصل 141 الذي ينص على أنه" تتوفر الجهات و الجماعات الترابية الأخرى على موارد مالية ذاتية وموارد مرصودة من قبل الدولة.

   كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات و الجماعات الترابية الأخرى يكون مقترنا بتحويل الموارد الطابق له. وهكذا يتضح بأن مسلسل اللامركزية بالمغرب عرف مجموعة من التطورات التي أدت فعلا إلى توسيع اختصاصات الجماعات الترابية لتشمل كافة الميادين المرتبطة بتدبير الشأن العام المحلي، و هو ما جعل هذه الأخيرة أمام تحديات كبيرة و مسؤوليات جسيمة لاسيما فيما يتعلق بتحقيق التنمية الاقتصادية.

   إلا أن مجرد اعتراف المشرع للجماعات الترابية بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي يبقى غير ذي جدوى لتحقيق لامركزية فعالة و التي لا يمكن تجاوز معيقاتها في ظل الخصاص المالي الذي يمثل مشكلة كبرى أمام الممارسة التنموية للجماعات الترابية، خصوصا مع تطور الوظائف الاقتصادية لهذه الهيئات؟.

   فمنح الجماعات الترابية اختصاصات موسعة غير قابل للتفعيل دون تمتيع هذه الأخيرة بالموارد المالية الكافية لأجل تحقيق ذلك و من هنا يتبين لنا تلازم الاستقلال الإداري والمالي حيث لا يمكن الحديث عن لامركزية حقيقية دون وجود استقلال مالي يجعل الجماعات الترابية قادرة على تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقها.

   وهكذا فإن مالية الجماعات الترابية تعد مؤشرا حقيقيا لقياس درجة استقلالية هذه الأخيرة و نجاعة عملها، وهو ما جعل السلطات العمومية تحاول تحقيق استقلال مالي لهذه الأخيرة وذلك من خلال قانون 47.06 المتعلق بالجبايات المحلية وكذا إصلاح التنظيم المالي بقانون 45.08 إلا أن هذه الإصلاحات المالية لم تكن في مستوى الأدوار التي أصبحت تضطلع بها الجماعات الترابية في المغرب، وهو ما أدى إلى إفراز مجموعة من المشاكل على مستوى التدبير المحلي حيث وجدت الجماعات الترابية نفسها غير قادرة على بلورة مجموعة من الإختصاصات على أرض الواقع و بقيت حبيسة النصوص القانونية و من جهة أخرى نشهد ضعف في الأداء المحلي و الذي يظهر على مستوى المرافق العمومية و المشاريع التنموية

المحلية.

   وبالتالي أصبح هذا الواقع يستلزم إعادة النظر في تدبير الشأن العام المحلي في جميع جوانبه و ذلك عبر عقلنة التدبير المالي المحلي من خلال توفير الآليات و الوسائل الكفيلة بالرفع من الموارد المالية لتفادي ضياعها في أمور لا تعود بالنفع على الجماعة الترابية و هو الأمر الذي يستدعي ترشيد الإنفاق المحلي و اعتماد وسائل رقابية حديثة لتخفيف الضغط الرقابي الذي تمارسه سلطات الوصاية و الانفتاح على مبادئ الحكامة المالية، و هذه كلها آليات سوف تجعل الجماعات الترابية فاعلا قويا و منبعا لتحقيق التنمية المحلية.

الفصل الأول: تشخيص الوضعية الراهنة لتدبير الشأن العام المحلي

   لقد عرف تدبير الشأن العام المحلي بالمغرب تطورا نتج عنه تجديد منظومته القانونية المتمثلة في القوانين المنظمة للامركزية، إذ اعترفت هذه القوانين جميعها للجماعات الترابية بالوظيفة التنموية و بدورها المحوري من أجل النهوض بتدبير الشأن العام المحلي، و اصطحبت من أجل ذلك مجموعة من الوسائل القانونية.

   وهو ما نلمسه من خلال المحطات التي مر منها تدبير الشأن العام المحلي بالمغرب، خاصة منذ حصول المغرب على الإستقلال حيث صدر ظهير 1960 حيث كان على الدولة أن تسد الفراغ الذي تركه الاستعمار و التحكم في الجهاز السياسي و الإداري ما دام المغرب يعيش فترة انتقالية ثم بعد ذلك جاء دستور 1962 ليكرس دستوريا الجماعات المحلية في بابه الثامن ثم بعده جاء ظهير منظم للعمالات والأقاليم سنة 1963، وبطبيعة الحال لم يقف المغرب قيد مكانه بل تفاعل مع مجموعة من المستجدات الوطنية والتحولات العالمية لتثبيت أسس الدولة العصرية و في هذا الإطار ظهر ظهير 30 شتنبر 1976 و الذي جعل الجماعات شريكا استراتيجيا للدولة و فاعلا في مجال التنمية، ثم جاء بعد ذلك دستور 1992 الذي ارتقى بالجهة إلى جماعة ترابية، مرورا بالقانون المنظم للجهة. 

   وأمام مجموعة من العوائق التي حالت دون قيام الجماعات الترابية بوظائفها التنموية فقد ظهر عهد جديد من القوانين تمثلت في صدور الميثاق الجماعي 2002، وهنا عرف تدبير الشأن العام المحلي قفزة نوعية وذلك بتركيزه على دعم الديمقراطية المحلية و تدعيم مجالات المسؤوليات المحلية إلا أنه و نظرا للانتقادات التي وجهت لهذا الميثاق الجماعي و الملخصة في أنه كان ينتظر أن يأتي الميثاق بإصلاحات عميقة لتفعيل دور الجماعات الترابية و إسعافها على القيام بفعالية بوظائفها التنموية؟.

   جاء القانون 917.08 و الذي أتى بمستجدات هامة في مجال تدبير الشأن العام المحلي تتمثل في منح صلاحيات أكثر للجماعات الترابية و تحسين النظام التمثيلي للسكان والرفع من مشاركتهم في تدبير الشأن العام المحلي وتدعيم نظام الحكامة المحلية و تقوية دور الجماعات الترابية في مجال التنمية الإقتصادية و الإجتماعية. 

   وقد تعزز هذا الإصلاح الذي عرفه تدبير الشأن العام المحلي بصدور دستور المملكة المغربية لسنة 2011. ليخصص الباب التاسع منه للجهات والجماعات الترابية، حيث جاء بمستجدات هامة تكمن في جعل الجماعات الترابية الفاعل الأساسي في تحقيق التنمية بكل أبعادها على المستوى المحلي، حيث وسع الدستور من مجال تدخلها في تدبير الشأن العام المحلي كما أن دستور 2011 أعطى مكانة هامة لمسألة اللامركزية و ذلك من خلال فصله الأول حيث أكد على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة.

  إن كل هذه التطورات في القوانين والمؤسسات والاستراتيجيات التدبيرية و كل الصلاحيات التي أصبحت تضطلع بها الجماعات الترابية، في مجال تدبير الشأن العام المحلي جعلت منها اليوم جماعات ترابية ذات اختصاصات واسعة و شاملة لكل المجالات التدبيرية، فاللامركزية على المستوى النصوص القانونية متواجدة، إلا أنها لا زالت مقيدة بمجموعة من العراقيل التي تحول دون تفعيلها على أرض الواقع.

   حيث يتبين بجلاء أن الجماعات الترابية محدودة خاصة فيما يتعلق بالتدخل الإقتصادي لهذه الأخيرة، فالإمكانيات المادية لهذه الوحدات الترابية لا تسمح لها في واقع الأمر بالتوفر على هامش من الحرية والاستقلالية لاتخاذ قرارات تدبيرية و أخذ المبادرات التنموية .

  مما يؤكد أنه رغم اعتراف المشرع المغربي للجماعات الترابية باختصاصات واسعة في مجال تدبير الشأن العام المحلي فإن ذلك يبقى غير ذي جدوى لتحقيق لا مركزية فعالة والتي لا يمكن تجاوز معيقاتها في ظل الخصاص المالي الذي يمثل مشكلة كبرى أمام الممارسة التنموية للجماعات الترابية خصوصا مع تطور الوظائف التنموية لهذه الجماعات الترابية و هذا ما جعلها تتمتع باختصاصات واسعة يقابلها محدودية الإستقلال المالي لهذه الأخيرة (المبحث الأول) كما أن استقلالية تدبير الشأن العام المحلي من طرف الجماعات الترابية تتأثر بالرقابة الإدارية و المالية قبل أن تصبح إجراءات عملية قابلة للتنفيذ (المبحث الثاني).

الفصل الثاني : مقومات تعزيز استقلالية تدبير الشأن العام المحلي

   لقد أبان التشخيص الدقيق لواقع تدبير الشأن العامل المحلي، على مجموعة من الإكراهات التي تواجه الجماعات الترابية في تحقيق تدبير محلي جيد، فأمام توسع الاختصاصات الممنوحة لهذه الأخيرة و تزايد الرهانات على دورها في تحقيق التنمية الشاملة، أصبح من اللازم إدخال مجموعة من الإصلاحات على جميع الأصعدة لتتمكن الجماعات الترابية من القيام بالأدوار المعهودة إليها.

   حيث أن النهوض بدور الجماعات الترابية لتصل إلى حكامة تدبير الشأن العام المحلي لا ينحصر فقط في التغييرات القانونية التي منحت لهذه الأخيرة اختصاصات واسعة و إنما يتطلب الأمر إدخال الآليات الكفيلة بجعل الجماعة الترابية قادرة على تفعيل تلك الصلاحيات على أرض الواقع في شكل برامج تنموية، و هذا ما يستدعي مواكبة قانونية تروم إلى تعزيز الاستقلال المالي و دعم الموارد المالية و تأهيل الوحدات اللامركزية وإعادة بناء العلاقة بين السلطة المركزية والجماعات الترابية و إدخال آليات الحكامة المالية لتحسين التدبير المالي المحلي.


رسالة الجماعات الترابية بالمغرب بين توسيع الإختصاصات التدبيرية وإكراهات الإستقلالية المالية دراسة تحليلية إعداد الطااب نور الدين السعداني
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -