البطلان في العقد الإداري

البطلان في العقد الإداري

البطلان في العقد الإداري
البطلان في العقد الإداري 

العنوان    البطلان في العقد الإداري
تأليف الدكتور    برهان زريق 
التصنيف   كتاب 
الطبعة     الأولى 2002
عدد الصفحات246 ص
حجم الملف13MO
صيغة الملفPDF
منصات  التحميلmediafire أو google drive
البطلان في العقد الإداري

مقدمة كتاب البطلان في العقد الإداري

   ممـا لا جـدال فيـه أن لكل بحث رؤيته الخاصة به النابعة من طبيعته الذاتيـة، ومـن النسـب المركوزة به، على حد قول الفهامة ابن خلدون، كذلك فالـرؤية لهـا مـنهجها العلمي الذي يقودنا إلى استكناه الظاهرة، والقبض على جوهـرها ومقوماتهـا الذاتيـة... وحقيقة الأمر أن الرؤية السليمة - باعتبارها الطـريق الأمثل لمعرفة الحقيقة – تؤصل الظاهرة، وتبلورها، هذا فضلاً عن أن الظاهـرة – بما تمتلكه من طبيعة ذاتية معينة – هي التي تفرض المنهج الخاص بها، ومن ثم فالكل من الظاهرة ومنهجها ورؤيتها دوره وموقعه وأهميته، والجدل السليم بين الغاية ووسيلتها، وارتقاء الوسيلة علوا إلى مصاف غايتها، هذا الأمر هو الذي يصل بنا إلى شاطئ الموضوع، ويمكننا قطف ثماره يانعة، إذ لا الرؤية تسبق الهدف، والعكس، وكل في فلك فلك يسبحون، " البطلان في العقد الإداري" .

واستناداً إلى الفلسفة السائدة في علم المنطق، فالاسم كثيراً ما يقودنا إلى المعـني، وبالتالي، فإن نظرة بسيطـة فاحصة على عنوان البحث تجعلنا مع الحقائق الآتية :

أ- إن مجـرد قولـنا عقداً فهذا يعني أننا حيال التقاء إرادتين متكافئتين تتشادان وتتعارضان، وفي الوقت نفسهتسعيان لإقامة التوازن بينهما في نقطة تحقيق المصالح المشتركة Parie- parties .

وبمعـنى أوضح ففكرة التعاقد تتحقق بنشوء التزامات متبادلة Mutuel، حيث يـلزم – بالتبادل – كل من طرفي العقد الطرف الآخر، لا فرق في ذلك بين عقود القانون الخاص، وعقود القانون العام.

هـكـذا يشتبه العقد بكثير من الأعمال القانونية – والعلة في ذلك فكرة التقاء المصــالح - مـن ذلـك اشتباهه بالأعمال القانونية الاتحادية : actes union كالأعمـال الـتي تقرر نتائج الانتخابات، حيث لا يظهر الناخبون كأطراف متقابـلة يلتزم الواحـد مـنهم قبل الآخر، بل إن إرادتهم تتعاون من أجل الوصول إلى هدف، حيث تتحد في هذا الغرض من أجل إنشاء أثر قانوني.

 وبذلك لا ينسب التصرف القانوني الاتحادي لأي شخص من المشتركين في إيجـاده، أو إلى تعـبير واحـد صـادر عن إرادة أي منهم، بل ينشأ الأثر القانوني من الإرادات المتحدة جميعاً .

ويمكـن أن ينشأ العمل الاتحادي في إطار الإدارة العامة، كما في حال ندب موظـف، بناء على موافقة الإدارتين على ذلك، فهذا الاتفاق لا ينشئ عقداً بسبب عدم وجود التعارض، بل ينشئ عملاً قانونياً اتحادياً.

والأمر نفسه بالنسبة للقرارات التي تصدر عن المجالس، فهذه القرارات، وإن كانت تقوم – من خلال المداولات : deliberation - على المناقشة، وتضاربالرأي، إلا أنها تصب في بوتقة واحدة ونتيجة محددة.

ب- وجدير بالتنويـه أن مـا يميز العقد الإداري اتسامه بقسمـات معينة من ذلك خضـوعه لقيـود تشـريعية - كتـلة الشرعية bloc legalite – کاختیار المتعاقدين، وكون دفاتر الشروط تحرر مقدماً، ثم تمتع الإدارة بسلطات معينة لا يتمتع بها المتعاقد، وغير ذلك من الأمور.

هذا وعلى الرغم من كل هذه القيود والسمات والاستثناءات، فذلك لا يغير من طبيعة العقـد الإداري، الذي يبقى عقداً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى APROPREMENT DIT. 

ج- إن نظرية البطلان في العقود الإدارية، لا تعني أنها متطابقة مع نظيرتها في القانون الخاص، وبالمقابل فهي لا تعني الانسلاخ الكامل عنها، بل إن هناك تمفصلاً وتميزاً بين الظاهرتين دون الفصل والانفصال.

وبيان ذلك أن كثيراً من النظريات القانونية تتغلغل في أكثر من فرع من فروع القانون ومجالاتـه، لسبب بسيط هو أن تلك النظريات تعبر عن فكرة القانون في ذاته وعن جوهره وطبيعته الذاتية وماهيته وصميم داخليته، أي تعبر عـن النسـب المـركوزة في طبائع الأشياء، وهي نسب نجد تحققها في القانون الخـاص، وغيره من فروع القانون، وبالتالي فالقانون الإداري عندما يطبق هذه النظريات، فإنما يطبقها – أصالة – في مجاله الخاص، وهذا ما عبر عنه الفقيه اليوناني ستاسينوبوليس بقوله :

Il exist dans le droit des formes juridiques generales qui-s'appliquent I
pso-jure a'tout rapports auquel elles son susceptibles d'êtres adaptees et
que sont commune au droit privé et au droit public.

وتـرجمة ذلك : توجد صور قانونية هامة معتبرة في كل التشريعات، هذه الصـور - بصرف النظر عن النظام القانوني الذي تنتمي إليه – تطبق على الحـالات التي تتلاءم معها سواء أكانت تنتمي تحت لواء القانون العام أم القانون الخاص .

ومع ذلك ولما كان للقانون المدني قصب السبق، وصدق القدم في البحث بنظرية العقـد، فقد استطاع هذا القانون – عبر عمق تاريخي مديد – أن يبني ممرداً من النظريات المتعلقة بالعقد في ذاته، حيث قدم للفكر القانوني عطاء ثريا وفـذاً وبذلك، فالقانون الإداري، مدين للقانون المدني من العطاءات، وباستطاعة القانون الأول أن يمتح الكثير من تلك النظريات، أو يطرح منها أو يعدل فيها – إضـافة أو حذفاً – ما يلائم روابطه، وهذا ما عبرت عنه أصدق تعبير المحكمة الإدارية العليا في مصر بقولها: " فيما يتعلق بأخذ القاضي الإداري بأحكام قانون المرافعات المدنية أو التجارية، فله أن يستهدي بها على اعتبار أنها مجرد تطبيق لقواعـد العدالة، أو المنطق المجرد، أي أن يطرحها، أو أن يأخذ منها ما يتلاءم مع طبيعة المنازعة الإدارية. 

ذلك أن كثيراً مـن النصوص التي تضمنتها قوانين المرافعات المدنية والتجارية، ليسـت في حقيقة الأمر مجرد صياغة تشريعية للمبادئ العامة التي تقضـي بها العدالة والمنطق في سير الإجراءات، أياً كانت طبيعتها، وأياً كانت الجهـة المختصـة بهـا، ممـا لا ينهض معه سبب معقول لإبعادها من مجال المــنازعات الـتي هي من اختصاص القضاء الإداري لمجرد أنها قد رددت في صلب قانون المرافعات، ويتحقق هذا التوفيق بمراعاة الخصائص المميزة لروابط القـانون العـام، وما يقتضيه منطق القضاء الإداري من تنظيم خاص مع إعمال المبادئ العامة والقواعد الأساسية في المرافعات المدنية، فيما عدا ذلك.

والخلاصة يجب التمييز دون الفصل بين بعض نظريات القانون الإداري ونظيراتها في القانون المدني، وهذا التمييز تمليه طبيعة وجوهر وماهية القانون الإداري، وإن كان هذا التمييز لا يعني الانفصال الكامل.

ولعـل الدكـتور ثـروت بدوي من أبرز الفقهاء الذين صوروا بدقة تلك الرابطة بيـن العلاقتين، امتثالاً، اقتداء، تقليداً، إبداعاً تعديلاً، فإن المذكور : إن القـانون الإداري من صنع القضاء الإداري الذي أرسى قواعده وأسس أحكامه، مسـتوحياً إياهـا من حاجات الإدارة، وما تتمتع به لدى ممارستها لنشاطها من مظاهـر السـلطة والجبروت. وليس معنى ذلك أن القضاء الإداري لا يستعين بأحكام القانون المدني في غير قليل من المناسبات ليطبق أحكامه بما لا يتنافى مـن طبيعة المشاكل الإدارية، وهذه الاستقلالية تعني أنه يستنبط الحلول، ويبدع الأحكام التي تسم هذه المنازعات بحرية تامة .

والقاضي الإداري لا يستطيع فقط تطبيق القواعد المدنية، بل إنه يستطيع الاستناد إليها صراحة إذا شاء، دون أن يكون هذا الاستناد إلى القواعد المدنية مؤثراً في حريته في ابتداع الحلول.

وقريب من ذلك ما أكدته المحكمة الإداريـة العليـا في مصـر بقولها : " للقاضـي الإداري أن يطبق من القواعد المدنية ما يتلاءم مع مجالاته، وله أن يطرحها إن كانت غير ملائمة، وله أن يطورها بما يحقق هذا التلاؤم .

ونخـلص مـن ذلـك للقول بأن القاضي الإداري يستعين بأحكام القانون المدني، كلما وجدها تنسجم مع روابط القانون الإداري، ومع مقتضيات المصلحة العامـة، كذلـك فالقاضـي الإداري يرفض تطبيق أحكام القانون المدني تطبيقاً حرفياً، بل يعدل فيها بما يجعلها متلائمة مع حاجات الإدارة ومستلزمات المرفق العـام، بل إنه في غير قليل من الحالات يبتدع الحلول، ويستنبط المبادئ التي قد تتعارض تماماً مع أحكام القانون المدنيء وهذا ما عبر عنه مفوض الدولة: RIVET في مذكرته المقدمة في قضية : OLIVE مخاطباً مستشـاري مجـلس الدولـة الفرنسي   قائلاً : إنكم أحرار في قضــائكم، وأنـتم الذيـن تخلقو القواعد التي تطبقونها، ولا تستعينون بالقواعد الواردة في المجموعة المدنية، إلا ما يتفق تطبيقه وضرورات الحياة الإدارية .

إذا هـناك في القانون الإداري نظريات قائمة ومستقلة بذاتها، وقد شقت طريقها عبر مقتضيات معينة غير قائمة في روابط القانون الخاص، مثل نظرية القـرار الإداري ونظـرية السلطة العامة، ونظرية الضبط الإداري، ونظرية الاستملاك، وغير ذلك.

وغني عن البيان أن نظريتنا موضوع البحث تستبصر وتصوب موضوعاً معيناً، ألا وهو خلل البطلان الذي يحيق بالعقد الإداري ومما لا شك فيه أن الخلل حـالـة مرضية تنتاب أية ظاهرة من ظواهر الحياة وسننها، وبالتالي فما من مادة أو ظاهرة حية إلا ويعتورها التمدد والتقلص، الصحة والمرض، القوة والضعف، وبذلـك فموضـوع البطلان، ليس موضوعاً مدنياً صرفاً بقدر ما هو موضوع يتغلغل كافة فروع القانون، وهنا ينهض ويثور السؤال التالي: ما هي علاقة ذلك البطلان بنظرية البطلان في العقد المدني ؟ ما هي أوجه البطلان التي تمليها، وتفرضـها، ظروف المرفق العام هل العيب في العقد الإداري- كما في القرار الإداري – عـلى درجـتين، أو عـلى ثلاث درجات، كما هو الأمر في القانون المدني ؟.

هـذه التساؤلات – ومثلها معها من تساؤلات – تدفعنا لأن نرهص لذلك بـبحث يتناول نظرية البطلان في العقد المدني، لا سيما أن المقارنة في العلوم الإنسـانية تـزكي هذه العلوم، وتزيدها غنى وثراء، وهي في الآن نفسه إحدى مناهج البحث في تلك العلوم، وإحدى شروط المادة المراد حرثها وتفكيكها .

وغـني عـن الـبيان أن البحث في بطلان العقد الإداري يقتضي تحديد المقصـود من العقد الإداري، وبالطبع فالسياق لا يسمح لنا في التزيد والتفصيل فـي الموضوع، على اعتبار أن هذا الموضوع قتل بحثاً، وإننا نحيل القارئ إلى مظانه في أبحاث ونظريات القانون الإداري، وإن كنا ندلل بأننا نأخـذ بالمعيار المـركب في تحديد أساس القانون الإداري، وتلمس مجالاته ومعاييره، وبالطبع فنحن نقصد بالمعيار المركب اتخاذ المرفق العام غاية وأساليب القانون العام وسيلة .

وتوضيح ذلك أن سلطان الإدارة ليس غاية في ذاته، لكنه وسيلة لتحقيق النفع العام، والوقوف عند الوسيلة دون الغاية مسلك في غاية الخطورة، لا سيما فـي الوقت الحاضر الذي ازداد فيه تدخل الإدارة في مختلف النواحي، وإن كان لـنا ملاحظة استطرادية، مؤداها أن المرفق العام هو أنجح الوسائل لتحقيق النفع العام، إن لم يكن هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك.

وعلى هذا سنكتفي بتحديد شروط العقد الإداري على الإيجاز الآتي :
1- أن تكون الإدارة طرفاً في العقد.
2- أن يتصل العقد بالمرفق العام.
3- أن يتضمن العقد وسائل وأساليب القانون العام .

وشـرط كون الإدارة طرفاً في العقد شرط واضح، والأمر نفسه بالنسبة للشـرط المتعـلق بأساليب القانون الإداري، لكن ما هو المقصود من صلة العقد بالمرفق العام ؟ هل يكفي أي اتصال، أم أن لهذا الاتصال شروطه الخاصة ؟

وحقيقة الأمر أن الاتصال بالمرفق يأخذ مظاهر شتى أشارت إليها محكمة القضاء الإداري المصرية بقولها: إن المعيار المميز للعقود الإدارية هي الاتصال بالمرفق العام من حيث تنظيمه أو تسييره أو إدارته أو استغلاله أو المعاونة أو المساهمة فيه .

ذلـك أن مـن العقود الإدارية ما يتعلق بتنظيم المرفق العام أو استغلاله وأشهرها عقـود الامتياز والأشغال العامة ومنها ما يتصل بالمعاونة في تسيير المرفق عن طريق توريد مواد أو تقديم خدمات أو عن طريق استخدام المرفق ذاته..الخ وفقاً لأنواع العقود الإدارية المختلفة.

لكـن هـل يشترط أن تكون الصلة بين العقد ونشاط المرفق الذي يخدمه على درجة معينة من المتانة ؟.

يذهـب بعض الفقهاء، إلى ذلك فيشترطون لضـرورة كون العقد إدارياً أن يحقـق غرضـاً مـن أغراض المرفق العام : لكن بعض الفقهاء يرون أن القضـاء الفرنسـي لا يتطـلب ذلك، ويكتفي بخدمة المرفق العام بصورة غير مباشرة . وبصـورة عامة، فهذا الاتصال ومداه مسألة موضوعية، يراعيها القضاء الإداري في كل حالة على حده.

هـذا هو إطار سريع كان لا بد منه كمدخل عريض لموضوعات الكتاب الـتي استفتحناها بفصل تمهيدي تكلمنا فيه على البطلان في القانون الخاص، ثم أردفـنـا ذلـك بتقسيم البطلان في العقد الإداري إلى منطقتين، الأولى تمتد حتى إبرام العقد – وهي موضوع القسم الأول من الكتاب – أما القسم الثاني فيتصدى لدراسـة الـبطلان فـي حـال دينامكية العقد وحركتيه، ثم فرعنا على كل قسم مجموعة من الأبحاث والمطالب.

_______________________________________
 كتاب البطلان في العقد الإداري تأليف الدكتور برهان زريق 
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف للتبليغ عن انتهاك حقوق الطبع والنشر يرجى التواصل معنا عبر صفحة اتصل بنا.




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-